لا يمكن الحديث عن مستقبل الاقتصاد المصري بمعزل عن إعادة الاعتبار للقرية المصرية ، فالمشهد الحالي يكشف بوضوح أن استمرار اختلال العلاقة بين الريف والمدن لم يعد مجرد خلل تنموى، بل أصبح معوقا حقيقيا لأي محاولة جادة لتحقيق نمو مستدام
القرية المصرية لم تكن يوما عبئا على الدولة، لكنها تحولت تدريجيا إلى منطقة استهلاك أكثر من كونها منطقة إنتاج، نتيجة تراكم سياسات وإجراءات أضعفت قدرتها على المنافسة، وقلّصت فرصها في الدخول إلى السوق بشكل منظم ، ومع غياب التمويل المناسب، وتعقد منظومة التراخيص وضعف الدعم الفني، تراجعت المبادرات الفردية وانكمش النشاط الإنتاجي داخل الريف
ومن هنا يصبح الحديث عن القرية المنتجة ضرورة تتجاوز الطرح النظري إلى كونه مسارا استراتيجيا لإعادة ضبط المعادلة الاقتصادية ، فتمكين القرى من أداء دورها الإنتاجي يعني ببساطة توسيع قاعدة الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على مراكز محدودة، وخلق شبكة إنتاج متكاملة تمتد من القاعدة إلى القمة
المشروعات الصغيرة والمتوسطة تمثل الأداة الأكثر واقعية لتحقيق هذا التحول، لكنها لن تنجح في ظل بيئة معقدة أو سياسات غير محفزة ، المطلوب تبسيط الإجراءات وتوفير تمويل ميسر بشروط مرنة ومنح فترات سماح حقيقية، وتقديم دعم فني وتسويقي يضمن استمرارية هذه المشروعات وقدرتها على المنافسة ، وفي الوقت الذي يحصل فيه كبار المستثمرين على حوافز متنوعة، فإن العدالة تقتضي إعادة النظر في آليات دعم المواطن البسيط، ليس من باب المساواة الشكلية، بل من باب تمكينه فعليا من دخول دائرة الإنتاج
وقبل أن أترك قلمي أؤكد للسادة المسؤولين أن ما يهم المواطن البسيط ليس حجم الخطط ولا عناوين المبادرات، بل أن يجد فرصة حقيقية يعيش منها بكرامة داخل قريته دون أن يضطر لتركها أو البحث عن عمل بعيد. حين تتوافر له بيئة سهلة، وتمويل مناسب، وإجراءات لا تعقد حياته، سيعمل وينتج ويستقر ، وعندها فقط يشعر أن ما يُقال على الورق يتحول إلى واقع يلمسه في يومه، وأن الدولة أقرب إليه بالفعل لا بالقول …





















