منذ نحو عامين، وخلال مداخلة لي في مؤتمر عُقد ردًا على إعلان إعادة تأسيس تحالف القبائل العربية بقيادة العرجاني، وصفتُ الحركة المدنية بأنها “حركة هشة”، يومها لم يكن الوصف تعبيرًا عن موقف عدائي، ولا رغبة في التقليل من شأن أحد، بل كان محاولة لقراءة واقع سياسي بدا لي أنه يفتقد إلى أهم مقومات الاستمرار.
وقلت وقتها إن الإعلان عن انتهاء عمل الحركة المدنية قد يكون أكثر احترامًا لتاريخها من انتظار لحظة انكسارها، لم يكن ذلك نبوءة، وإنما استنتاجًا منطقيًا لمسار طويل من العجز عن التحول إلى فاعل سياسي حقيقي يمتلك أدوات التأثير والحشد والتنظيم.
المشكلة الأساسية لم تكن في النوايا، فداخل الحركة شخصيات وطنية محترمة، ولا في الشعارات التي رفعتها، بل في طبيعة الممارسة نفسها، فالحركة المدنية، في تقديري، لم تمارس السياسة بالمعنى الحقيقي للكلمة. لم تسعَ إلى بناء قواعد اجتماعية واسعة، ولم تنشئ تنظيمات قادرة على الحركة في الشارع، ولم تنتج أدوات ضغط فعالة تفرض نفسها على المجال العام.
بدلًا من ذلك، تحولت السياسة في كثير من الأحيان إلى حالة من الرجاء المستمر، وكأن الخطاب السياسي كله أصبح قائمًا على فكرة: “والنبي علشان خاطرنا”. مطالبات متكررة بفتح المجال العام، ومناشدات بالإفراج عن المعتقلين، ونداءات لتحسين شروط المنافسة السياسية، دون امتلاك أوراق قوة حقيقية تجعل هذه المطالب جزءًا من معادلة سياسية متوازنة.
والسياسة، في جوهرها، ليست توسلًا. السياسة تفاوض بين قوى تمتلك وزنًا وقدرة على التأثير، أما حين يغيب التنظيم والحضور الشعبي وأدوات الضغط، فإن الخطاب السياسي يتحول تدريجيًا من فعلٍ سياسي إلى مجرد أمنيات حسنة.
لهذا بدأ المشهد هشًا منذ البداية، فالهشاشة لم تكن في الأشخاص، وإنما في البنية ذاتها، بنية تعتمد على بيانات أكثر مما تعتمد على جماهير، وعلى المواقف أكثر مما تعتمد على التنظيم، وعلى الرغبة في التغيير أكثر مما تعتمد على امتلاك أدواته.
وربما كان الخطأ الأكبر هو الاعتقاد بأن مجرد الوجود في المجال العام يساوي ممارسة السياسة، بينما الحقيقة أن السياسة ليست الحضور في المؤتمرات والندوات ولا إصدار البيانات، بل القدرة على تحويل الأفكار إلى قوة اجتماعية منظمة، وعندما تغيب هذه القدرة يصبح أي كيان، مهما كانت نواياه نبيلة، معرضًا للتآكل والانكسار عند أول اختبار جدي.
ولهذا لم يكن الحديث عن هشاشة الحركة المدنية حكمًا أخلاقيًا عليها، بل توصيفًا سياسيًا لواقع لم تتوفر له شروط البقاء، وما زلت أرى أن الأزمة لم تكن أزمة أفراد، وإنما أزمة تصور كامل للعمل السياسي؛ تصور ظن أن السياسة يمكن أن تُمارس بالاستئذان، بينما السياسة في حقيقتها تُمارس ببناء القوة والتنظيم والقدرة على الفعل.
وإذا كان من درس يمكن استخلاصه من هذه التجربة، فهو أن المجال العام لا يحتمل الفراغ، فحين تعجز القوى المدنية عن بناء نفسها كفاعل سياسي حقيقي، فإن هذا الفراغ تملؤه بالضرورة قوى أخرى، قد تكون دينية أو قبلية أو شبكات مصالح أو أي أشكال أخرى من التنظيم الاجتماعي والسياسي، الطبيعة تكره الفراغ، والسياسة كذلك.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا تعثرت الحركة المدنية، بل ماذا بعد؟
ويبقى ما أريد أن أقوله، خصوصًا لشباب الحركة المدنية، مختلفًا عن كل ما سبق.
أقول هذا الكلام بينما بين هؤلاء الشباب أصدقاء أعزاء، أحترمهم وأحترم شجاعتهم وإخلاصهم، وأعرف حجم ما دفعه كثير منهم من أثمان شخصية وسياسية، ولذلك فإن نقد التجربة لا يعني أبدًا التقليل من قيمة من خاضوها.
لكنني أتمنى ألا يقع هؤلاء الشباب في الفخ التقليدي الذي تقع فيه معظم الكيانات السياسية عند نهاية دورها؛ فخ “إعادة الهيكلة”، ذلك التعبير الذي يكون في أحيان كثيرة مجرد محاولة لإحياء ما انتهى عمره السياسي بالفعل.
ليست كل التجارب مطالبة بالبقاء إلى الأبد، بعض التجارب تؤدي دورها ثم تترك مكانها لما هو جديد، وهذا ليس فشلًا، بل أحد قوانين التطور السياسي الطبيعي.
لذلك لا أرى أن المهمة اليوم هي إعادة ترتيب الأثاث داخل المنزل القديم، وإنما التفكير في بناء منزل جديد بالكامل.
كيان جديد، بأفكار جديدة، وأدوات جديدة، ولغة سياسية جديدة، وأجيال جديدة تتصدر المشهد دون حساسيات أو أوهام أو أثقال الماضي.
كيان يحاول أن يخلق مساحة آمنة للعمل السياسي، لا باعتبارها منحة من أحد، بل باعتبارها حقًا يجب السعي إليه وتوسيعه خطوة بعد خطوة، كيان يفهم أن السياسة ليست بيانات وتصريحات فقط، وليست انتظارًا دائمًا لفتح الأبواب المغلقة، وإنما هي عمل تراكمي طويل لبناء الثقة والتنظيم والحضور داخل المجتمع.
لا أطالبكم بالتخلي عن مبادئكم، بل بالعكس أطالبكم بالحفاظ عليها، لكن دون الارتباط الضروري بالأطر التي لم تعد قادرة على حملها.
فالأفكار الجيدة لا تموت بموت التنظيمات، والأحلام الكبيرة لا يجب أن تُدفن تحت أنقاض التجارب المتعثرة.
وربما تكون الشجاعة الحقيقية اليوم ليست في الدفاع عن الشكل القديم، وإنما في الجرأة على الاعتراف بأن زمنه انتهى، وأن المستقبل يحتاج إلى بداية جديدة أكثر مما يحتاج إلى ترميم ما تصدع.
فالمعركة الحقيقية ليست معركة الحفاظ على اسم أو لافتة أو كيان استنفد أغراضه، وإنما معركة الحفاظ على الحق في السياسة نفسها، الحق في التنظيم، والحق في الاختلاف، والحق في العمل العام، والحق في أن يكون للمجتمع أكثر من صوت وأكثر من رؤية وأكثر من طريق.
أما إعادة إنتاج الهياكل القديمة بالأسماء نفسها والوجوه نفسها والأدوات نفسها، فلن تؤدي غالبًا إلا إلى إعادة إنتاج النتائج نفسها.
ولذلك فإن أكثر ما أتمناه لشباب الحركة المدنية ليس النجاح في إعادة الهيكلة، وإنما النجاح في امتلاك الجرأة الكافية لفتح الأفق أمام تجربة جديدة بالكامل، تجربة تتعلم من أخطاء الماضي، وتحتفظ بما كان جيدًا فيه، لكنها لا تصبح أسيرة له.
فالمستقبل لا يُبنى بالحنين، ولا بإدارة الخسائر، ولا بمحاولة إقناع الزمن بالعودة إلى الوراء، المستقبل يُبنى حين يقرر جيل جديد أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون، لا أن يعيد السير في الطريق ذاته مرة أخرى.
وإذا كانت الحركة المدنية قد قدمت شيئًا مهمًا، فهو الدرس، والدرس الحقيقي من أي تجربة سياسية ليس أن نكررها، بل أن نتجاوزها.
المستقبل يحتاج إلى بداية جديدة أكثر مما يحتاج إلى ترميم ما تصدع.




















