والله العظيم الواحد مش عارف يضحك ولا يعيط، يعني إيه علم مصر ممنوع يدخل منطقة سياحية في مصر؟
استنى بس قبل ما تتسرع وتقول: «أكيد فيه حاجة إحنا مش فاهمينها».
أيوه، فيه حاجة فعلًا إحنا مش فاهمينها.
لأننا فهمنا إن فيه لوائح، وإن التصوير في الأماكن الأثرية له ضوابط، وإن إدخال بعض الأشياء يحتاج تنسيقًا مسبقًا.
كل ده مفهوم.
لكن اللي مش مفهوم هو أن تصل الحكاية إلى المواطن بالشكل ده: «العلم المصري؟ معلش… نسّق الأول».
يا نهار أبيض!
هو العلم رايح يعمل إيه؟ هيقف جنب الهرم ويقول له: «إزيك يا صاحبي»؟
ولا النسر اللي على العلم هيطلع بطاقة ويقول للحارس: «أنا مصري والله»؟
المشكلة إننا في مصر عندنا قدرة عجيبة على تحويل أبسط الأشياء إلى ملف كامل.
الحاجة اللي ممكن تتحل في خمس دقايق، نعمل لها لجنة.
واللجنة تحتاج خطابًا.
والخطاب يحتاج توقيعًا.
والتوقيع يحتاج موافقة.
والموافقة تحتاج تنسيقًا.
وفي النهاية، المواطن يرجع بيته ويقول:
«خلاص يا عم.. صوّر من غير علم».
ثم نندهش عندما تسخر الناس!
يا جماعة، الناس لم تخترع النكتة.
الواقعة نفسها كتبت النكتة.
وهنا أنا لا أتكلم عن البلوجر.
ولا أقول إن كل ما يفعله أي بلوجر صحيح.
ولا أقول إن الأماكن الأثرية مباحة لكل من يريد أن يدخلها ويصور كما يشاء.
بالعكس.
الآثار ليست استوديو تصوير مفتوحًا.
ومصر عندها ما يكفي من كنوز لا تحتمل العبث.
لكن يا سادة، هناك فرق بين أن تحمي الأثر وبين أن تجعل المواطن يشعر أنه محتاج تصريحًا كي يمارس شيئًا طبيعيًا داخل بلده.
وبصراحة أكثر:
إحنا محتاجين نراجع طريقة كلامنا مع الناس، مش بس طريقة تطبيق اللوائح.
لأن بيان الوزارة، بدل ما يقفل الموضوع، فتح ألف موضوع.
والسوشيال ميديا أخذت البيان وبدأت تعمل به ما تفعله عادة:
تفرمه.
والحقيقة أن بعض البيانات الرسمية تحتاج قبل نشرها إلى شيء لا يوجد في اللوائح:
عين مواطن عادي.
واحد يقرأ البيان ويقول:
«طب والناس هتفهم إيه من ده؟»
لأن المسؤول قد يرى أمامه نصًا قانونيًا منضبطًا.
أما المواطن فيرى مشهدًا بسيطًا جدًا:
واحد معه علم بلده.
واتمنع من الدخول به.
ثم قيل له إن الأمر يحتاج إلى تنسيق.
وهنا لا ينفع أن تقول له:
«أصل اللائحة…»
لأن المواطن لا يعيش داخل اللائحة.
المواطن يعيش داخل الصورة.
والصورة هنا غريبة.
غريبة جدًا.
إحنا بنصرف ملايين عشان نقول للعالم:
«تعالوا مصر».
وبنجهز حملات ترويجية، ونصور أفلامًا، ونستضيف مشاهير، ونقول إن مصر بلد الحضارة والتاريخ.
ثم يأتي واحد يريد أن يصور نفسه بعلم مصر أمام آثار بلده…
فنقول له:
«استنى لما ننسق».
طب ماشي.
ننسق.
بس ننسق مع مين؟
مع الأهرامات؟
مع أبو الهول؟
مع النسر؟
ولا نبعث خطابًا إلى العلم نفسه؟
«السيد/ علم جمهورية مصر العربية..
تحية طيبة وبعد..
بالإشارة إلى رغبتكم في دخول المنطقة الأثرية، يرجى التكرم بموافاة الجهة المختصة بسبب الزيارة، وبيان الغرض من التصوير، وعدد مرات استخدام اللون الأحمر، مع إرفاق صورة شخصية للنسر الموجود أعلى العلم».
أهو كده نبقى مشينا على اللائحة!
المشكلة مش إن عندنا قوانين.
المشكلة إننا أحيانًا ننسى إن القانون وُجد لتنظيم الحياة، مش لتعقيدها.
والأخطر من كده إننا أحيانًا نتصور أن قوة الدولة تظهر في قدرتها على أن تقول «ممنوع».
لا.
قوة الدولة تظهر عندما تعرف متى تقول نعم، ومتى تقول لا، ولماذا قالت نعم أو لا.
لو العلم سيؤذي الأثر، قولوا.
لو طريقة التصوير ستضر بالموقع، قولوا.
لو هناك قواعد تمنع إدخال أي أعلام دون تصريح، أعلنوا القواعد.
لكن ما ينفعش نسيب الناس أمام مشهد عبثي، ثم نطلب منهم أن يتعاملوا معه بمنتهى الجدية.
لأن الناس عندها حس فكاهي.
وعندها أيضًا ذاكرة.
والسوشيال ميديا تحديدًا لا تنسى.
أنت ممكن تحذف بوست، لكنك مش هتعرف تحذف النكتة اللي اتقالت عليه.
وعلى فكرة، ربما تكون الواقعة كلها مجرد سوء تفاهم إداري.
ويمكن يكون الموظف طبق التعليمات حرفيًا.
ويمكن الوزارة عندها تفسير قانوني محترم جدًا.
كل ده وارد.
لكن حتى لو كان كل شيء قانونيًا مائة بالمائة، يظل هناك سؤال آخر:
هل كان المشهد الذي وصل للناس يليق بصورة مصر؟
وده السؤال اللي يستحق الإجابة.
لأننا في النهاية مش بنسوق ورق.
إحنا بنسوق بلد.
والسائح لا يقرأ اللائحة.
هو يشوف الموظف.
يشوف المكان.
يشوف التعامل.
ويحكي حكايته بعد ما يرجع.
والمواطن نفسه مش محتاج محاضرة في الإجراءات.
هو محتاج يحس إن بلده بتسهّل له، مش بتستصعب عليه.
أما العلم المصري…
فسيظل علمًا مصريًا.
ولو كان له لسان، غالبًا كان هيقول للموظف:
«يا ابني أنا مش داخل من بره… أنا أصلًا من هنا!»
بس خلّينا متفقين على حاجة:
لو وصلنا لمرحلة إن علم مصر محتاج تنسيق عشان يدخل مصر، يبقى لازم ننسق إحنا كمان مع نفسنا شوية.





















