أن يكون البحر أمامك ولا تستطيع الوصول إليه؛ تلك ليست مجرد مفارقة، وإنما سؤال عن حق المواطن في الوصول إلى مورد عام.
ولعل أهمية توجيه الرئيس بتشكيل لجنة من أجهزة الدولة المعنية لتفقد الوضع على الأرض وضمان حرية نفاذ المواطنين إلى الشواطئ، أنه يفتح هذا السؤال بصورة مباشرة، لاسيما مع التشديد على عدم إقامة منشآت أو تنفيذ أعمال في نطاق 200 متر من خط الشاطئ دون موافقة الجهات المختصة.
والسؤال عن ملكية البحر هنا ليس سؤالًا عن الملكية العقارية، وإنما عن تنظيم الوصول إليه وحدود الاستخدام الخاص لمورد عام، ويضع الدستور المصري أساسًا واضحًا لهذه المسألة؛ فالمادة 45 تنص على حماية البحار والشواطئ والبحيرات والممرات المائية والمحميات الطبيعية، وتقرر أن «حق كل مواطن في التمتع بها مكفول».
غير أن ضمان التمتع بهذا الحق يفترض إمكانية الوصول إلى الشاطئ؛ فلا قيمة لحق لا يجد طريقًا إلى ممارسته. فقد يكون البحر ظاهرًا أمام المواطن، بينما لا يجد منفذًا عامًا واضحًا، أو تحول الأسوار والبوابات والترتيبات العمرانية دون الوصول إليه عمليًا، وحرية النفاذ لا تعني إلغاء التنظيم أو تجاهل حقوق المستثمرين، وإنما ضمان وصول واضح وآمن ومنظم وفقًا للقانون.
وتتصل بذلك مسألة أخرى: كيف نحمي حق الجمهور في الوصول إلى الشاطئ، من دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام الاستثمار؟ فمصر تحتاج إلى الاستثمار السياحي وتطوير سواحلها، لكن الاستثمار في استغلال الساحل لا ينبغي أن يتحول إلى إقصاء للجمهور عنه.
وتستطيع الدولة تنظيم الانتفاع ومنح حقوق للمستثمرين وفق القانون، من دون أن تفقد الشواطئ وظيفتها العامة.
وتقدم تجارب دولية نماذج مختلفة لهذا التوازن. ففي فرنسا، يقرر قانون البيئة حرية وصول المشاة إلى الشواطئ، ويعتبر الاستخدام الحر والمجاني للجمهور من وظائفها الأساسية، مع استثناءات محددة تبررها اعتبارات الأمن أو الدفاع أو حماية البيئة.
وفي جنوب أفريقيا، يقر قانون الإدارة المتكاملة للسواحل حق الوصول المعقول إلى الملكية العامة الساحلية، ويضع الوصول العادل إلى الفرص والمنافع المرتبطة بها ضمن أهدافه، المغزى واضح: يمكن تنظيم الاستثمار دون إلغاء الوظيفة العامة للشاطئ.
وفي الحالة المصرية، لا ينبغي أن يُنظر إلى تنظيم إقامة المنشآت على الشريط الساحلي بمعزل عن حق الجمهور في الوصول إليه، فالتوجيه المتعلق بعدم إقامة منشآت أو تنفيذ أعمال في نطاق 200 متر من خط الشاطئ دون موافقة الجهات المختصة يفتح المجال أمام تخطيط ساحلي يراعي، منذ البداية، وجود منافذ عامة واضحة ومسارات وصول آمنة، حتى لا يصبح الوصول إلى البحر مشكلة تُكتشف بعد اكتمال المشروع.
ليست القضية قضية مصيف، ولا مواجهة بين المواطن والمستثمر؛ وإنما كيفية تحقيق التوازن بين حق الجمهور في الانتفاع بالشاطئ وحق الاستثمار في تطويره وفق القانون. فالمعيار الحقيقي للتنمية الساحلية ليس عدد المشروعات المقامة على البحر، وإنما ما إذا ظل البحر متاحًا للمجتمع إلى جوارها.





















