هي ثورة شعب.. ثورة إنسانية جماهيرية منزهة.. جمعت الأديان تحت مظلتها.. ثورة ميدان لروح أمة اشتعلت قلوبها ورفعت راياتها وحلمت بالحرية والكرامة.. خرج فيها الجميع ليكتبوا فصلًا مضيئًا في حياة مصر.. خرجت المرأة من بيتها والطالب من مدرسته والعامل من مصنعه ليوحدوا الصفوف ويكتبوا عنوانًا جديد مضمونه الإرادة وروحه هي مصر.
ثورة “19” والتي اندلعت في 8 مارس 1919م ليست مجرد احتجاجات عابرة ولا مجرد هتاف في الشوارع بل لحظة ميلاد لأمة لبت نداء وطنها لتقول كلمتها.. والتحم الشعب حول راية واحدة للحرية مطالبًا الإستقلال، فهي لحظة تاريخية ورمزًا لإرادة شعب رفض قيود الإحتلال وكسر حاجز الصمت.
ثورة ضد العنصرية في كافة اتجاهاتها نقية في جذورها.. قام فيها البسطاء بتركيع الإحتلال المسلح بهتاف “تحيا مصر”.. معلنين تأيدهم لـ”سعد زغلول” الذي حمل مطالب الإستقلال.. فقد تمت إعادة صياغة فعلية بين الشعب والوطن وترسيخ معنى المشاركة في صنع المصير لثورة كان رمزها “سعد” وحركة سياسية وصحوة شعبية.. تحولت الشوارع إلى منابر والهتاف لرسالة واضحة وصورة ناصعة.. فالثورة كانت مدرسة اعطت الجميع درسًا في التضحية لجيل قرر النهوض ليصنع التاريخ ويكتب المستقبل.
الثورة حيث اليوم 8 مارس وفي دار السلاملك بمنزل “سعد” وفي مكتبه فجرًا صعد ضابطان بريطانيان درجات السلم وتقدما إلى المكتب رافضين الجلوس لديهم أمر واحد وهو القبض على “سعد” وكان مبتسمًا يقف هادئًا وفي لهفة وفي عيون الواقفين الخوف قال لهم: تشجعوا.. متكئًا على عصاه يسير ذاهب إلى المجهول.. بل كان ذاهبًا إلى موعد غرامي وموعدًا مع المجد التاريخي.
كان “سعد زغلول” ينتظر الخروج ولكن ساعة الصفر تأخرت لتعليمات سرية لثورة مجيدة وتنظيمات سرية في أقاليم مصر من الإسكندرية إلى أسوان، ساعة القبض أدت إلى إنفجار ساعة الصفر من تنظيمات دقيقة منظمة بشهادة الإحتلال يتصورون أنهم أذاعوا بيانها ولكنها تعليمات شفوية لثورة سرية استطاعت بيان كذب الحكومة البريطانية.
قرر “سعد زغلول” تدشين حملة دولية مدونة بمطالب مصرية وقعها معه عبد العزيز فهمي وعلي شعراوي فيها نداء لدول العالم لتصرفات السلطة الإستبدادية وإن مصر ترفض أي قرار يصدره مؤتمر الصلح بباريس.. تعليمات جديدة إلى جميع الأجهزة للحصول على توكيلات الشعب وتوسيع الدائرة لأعضاء الجمعية التشريعية، تحرك كثيرًا للتأييد الشعبي بين المواطنين حتى انتشرت افكاره بين المدن والقرى وتحولت الحركة إلى إدراك شعبي كبير.
برقية رقم 348 من اللورد كيرزون من لندن إلى سير شبتهام القائم بأعمال الملك في القاهرة بضرورة وضع حدًا لتصرفات وأعمال “سعد” والأمر بالقبض عليه وإبعاده إلى مالطا بدون تحذير.. هي برقية حددت ساعة الصفر أنتظرها سعد طويلًا.. وعندما وصل الضابطان قال لهما.. جئتما متأخرًا.. ليتحول القبض عليه إلى انتفاضة شعبية واسعة غيرت مسار الحركة الوطنية في مصر.
بينما تقف سيدة داخل هذا المشهد بصورة مباشرة دورها الوطني رشحها لتكون في مقدمة الصفوة وهي “صفية زغلول” والتي لقبت بـ”أم المصريين” والتي قالت لزوجها برأي نابض حي للمرأة الشجاعة “أمضي في طريق الجهاد وأنا معك” فقد حملت لواء الثورة حينما كان زوجها في المنفى.
ومن داخل مذكراتها وبين سطور التاريخ التي سطرتها فقد مزجت مصيرها بمصير زوجها وسارت على نهجه فتزعمت الثورة وفتحت باب بيتها لقيادات “حزب الوفد” الذي كان يعقد في دارها المداولات والمشاركة الفعلية حتى لُقب بيتها بـ”بيت الأمة” وواصلت دورها النضالي حتى قرر الإنجليز سفرها إلى زوجها بعد 3 سنوات من النضال في 1922م حتى ظلت رفيقة في فكره ونضاله وحتى منفاه وفي مماته وضعت علم مصر على نعش زوجها دون أي مناصب أو نياشين أو أوسمة.
“أم المصريين” حملت أمانة زوجها حتى بعد مماته عشرون سنة ولم يكن حضورها مجرد ذكرى بل كان امتداد لروح الثورة فقد فتحت فيها أبواب “بيت الأمة” لزعماء الوفد وشاركت المناضلين في ثلاثينات واربعينات القرن الماضي ووقفت ولم تتخلى عن واجبها الوطني وظلت ثابتة في مهب الرياح تفتح بيتها للوطنيين وتمنح كلماتها العزيمةً.. فكان بيت الأمة قبلة للثائرين ومآوى للأمل فلم تحمل سلاحًا لكنها حملت كلمة الوجدان.. فكانت مثالًا للمرأة التي تشارك في صناعة التاريخ.. ومع تقلبات السياسة وتغير الأزمنة بقي صوتها يذكر بأن الحرية لا تُصان بالذكرى وحدها بل بالعمل والوعي.. وحين لحقت روحها بروح زوجها عام 1946م طُويت صفحة من صفحات النضال لكن الرسالة بقيت حية في وجدان المصريين.
وفي حاضرنا ونحن في زمن تتبدل فيه صور الهيمنة وتتنوع فيه أشكال السيطرة تظل سيرة “صفية زغلول” تذكيرًا بواجب نضالي.. فالوطن لا يحميه الصمت ولا تصونه الذاكرة بل يحرسه وعي وإرادة قوية قادرة على مواجهة كل احتلال أو فكر يحاول أن يستوطن العقول.



















