البيت المصري لم يعد كما كان سابقًا، فالجدران والأثاث لم يتغير، لكن شيئًا خفيًا تسلل وتبدل بين أفراده، فقد يجلس الجميع في غرفة واحدة وربما على مائدة واحدة إلا أن لكل منهم عالمًا مختلفًا يسكنه عبر شاشة صغيرة يحملها بين يديه، فهذا يتنقل بين مقاطع الفيديو وآخر في منصات التواصل، وثالث يعيش مع الألعاب الإلكترونية، حتى أصبح الحضور بالجسد بينما غاب التفاعل والروح بين الأسرة، ولم تعد المسافات تُقاس بعدد الغرف بل بعدد العوالم التي يعيش فيها كل فرد داخل المنزل صغيرًا أو كبيرًا وكأن التكنولوجيا لم تكتفي بأن تدخل البيوت بل أعادت تشكيل الحياة داخلها.. فهل أصبح المنزل يجمع أسرة واحدة؟ أم يجمع أفراد يعيش كل منهم في عالمه الخاص؟
إن الحوار الذي كان يومًا ما روح الأسرة ونبضها أصبح فقرًا، فكم من بيت يجتمع فيه الجميع حول مائدة واحدة بينما تغيب الكلمات، فلا يُسمع إلا صوت إشعار عابر أو رنين هاتف صاخب أو أصابع تتحرك فوق شاشة صامتة، فقد أصبحت الأحاديث التي كانت تمتد لساعات تختصرها رسائل باهته، والأسئلة التي كانت تُقال وجهًا لوجه تؤجل إلى وقت أخر قد لا يأتي، حتى فرض الصمت سيطرته داخل كثير من البيوت، لنطرح سؤال لابد منه.. هل سرقت الهواتف وقت الأسرة فحسب؟ أم سرقت معها لغة الحوار التي كانت تجمع القلوب قبل أن تجمعها جدران البيوت؟
الأمر أصبح مألوف داخل البيوت المصرية في أسرة تجتمع بمكان واحد ولكل منهم رؤية وعالم مختلف لا يشاركه فيه أحد، تتقارب المسافات وتبتعد القلوب، لا نقاش ولا حديث ولا لحظات لذكرى تكون، أصبح الحضور شكليًا لا يحمل دفء اللقاء، أصبحت التكنولوجيا تجمع الأجساد وتشغل العقول والإهتمامات، فهل يكفي ذلك التقارب؟ أم إن التواصل يُقاس بالإهتمام المتبادل والتواصل الفعلي؟
امتدت هذه العلاقة مع كامل الأسرة، فقد كانت العلاقة بين الآباء والأبناء التي كانت تبنى على الإحتواء والحوار تراجعت فيها ساعات الحديث بل انعدمت أحيانًا حتى أصبح إنشغال الآباء بأبنائهم أقل بكثير ويجهلون تفاصيل حياة أبنائهم ذكورًأ أو إناث ولا يعرفون أي شئ عنهم مما ينتج عن ذلك جيل غير واعي أو قادر على مواجهة التحديات وينزلق في بئر الإنحراف ورفاق السوء أو الإدمان، وربما يقع فريسة للأفكار المنحرفة الهدامة دون أن يشعر أحد بما يمر به، فالأبناء لا يحتاجون إلى المراقبة بقدر ما يحتاجون إلى الاحتواء والحوار، فقد ضعفت الروابط الأسرية داخل البيوت المصرية وفقدت رونقها، وانتهت اللحظات التي كانت تبنى فيها الثقة بينهم، فالعلاقة بين الآباء والأبناء لا يحفظها فقط المكان بل يحفظها استمرارية الحوار.
تسرب الشقاق بين الأفراد، ومن الإنصاف ألا نلقي الضرر على الأبناء فقط بل إن كثيرًا من الآباء والأمهات تناسوا دورهم الأسري حتى انشغلوا بالشاشات، وانشغل الأب بمتابعة عمله عبر الهاتف إن كان عمل، وإنشغلت الأم بالسوشيال ميديا، حتى غاب الحوار بين الطرفين وأصبح كل منهم في عالم خاص، فلا أصبح الأب القدوة، فإن ما يراه الأبناء في آبائهم يفعلوه وأصبح الفراغ الأسري هو السائد.. فمن سيعيد للأسرة المصرية الدفء وأحياء الحديث؟ وهل أصبحت الرسائل الإلكترونية محل الكلمات والنص هو الحديث؟ فبدلًا من أن تُقال الكلمات أصبحت مُرسلة عبر الهاتف والإطمئنان يُكتب بدلًا من الشعور به، وتحولت الشاشة من ضيف خفيف إلى ضيف مستحوذ على تفاصيل الحياة اليومية بكافة أشكالها وحتى على مائدة الطعام وقبل النوم.. فهل أصبحت التكنولوجيا تخدم الأسرة أم تستنزف الوقت الذي لا يعوض وصنعت العزلة؟
أصبح الوصول إلى البعيد سهل، بينما أصبح الوصول إلى القريب صعب، ولم تكن يومًا التكنولوجيا عدوًا، ولن تكون بديلًا عن حوار صادق أو نظرة حقيقية أو قلبًا يشعر أو محبة تدوم، فالعلاقات الأسرية لا تبنى بالإشعارات ولا بالرسائل الإلكترونية، ويبقى الأمل لنا أن تستعيد الأسرة دفئها وترابطها لا بالمكان بل بالحوار والإهتمام، فإن التكنولوجيا وسيلة للمعرفة وعلينا أن نُحسن استخدامها ولا نتركها تُشكل علاقاتنا وتنزع أجمل ما فينا.





















