يسقط التاريخ أحيانا في فخ النسيان المتعمد، لكن العظماء وحدهم هم من يرفضون الاندثار، متمردين على محاولات الطمس بصلابة مبادئهم التي لا تموت. وفي مثل هذا اليوم، الخامس عشر من يونيو عام 1879، لم يولد مجرد طفل في قرية سمنود، بل ولد ‘ضمير الأمة’ الذي اختار أن يحمل هموم وطن بأكمله على عاتقيه. نحن اليوم أمام ذكرى ميلاد رجل جعل من اسمه ميزانا للوطنية، فاستحق أن يظل حاضرا في ذاكرة الشارع وتاريخ الأمة، رغما عن أنف التغييب.
ومن رحم هذه النشأة المتواضعة في سمنود، انطلقت مسيرة النحاس باشا، ويتصدر اسم مصطفى محمد سالم النحاس ذاكرة التاريخ المصري كأحد أبرز الرموز التي خاضت غمار العمل الوطني لأكثر من ربع قرن، ورغم المحاولات الممنهجة لتغييب دوره أو محو أثره من المشهد السياسي بعد ثورة يوليو عام 1952، يظل اسم شارع مصطفى النحاس باشا شاهدا حيا على رجل ناضل ضد الاحتلال البريطاني وواجه استبداد القصر. ولد مصطفى النحاس في 15 يونيو 1879 ببلدة سمنود محافظة الغربية لأسرة كريمة، حيث كان والده الشيخ محمد النحاس تاجرا للأخشاب يشتهر بالنزاهة والاستقامة، وتلقى الصغير تعليمه في كتاب القرية وحفظ القرآن الكريم في سن السابعة أو العاشرة.
يظهر نبوغ مصطفى النحاس مبكرا حين التحق بمكتب التلغراف في سن الحادية عشرة، وأدهش الجميع بحفظه لجميع الرموز في 3 أيام فقط، مما دفع أحد المستشارين لإقناع والده بإرساله إلى القاهرة للتعلم، ليلتحق بمدرسة الناصرية الابتدائية عام 1890 حيث تفوق على أقرانه، ثم المدرسة الخديوية الثانوية عام 1892، وصولا إلى مدرسة الحقوق عام 1896 التي تخرج فيها عام 1900 بترتيب الأول على دفعته. رفض مصطفى النحاس العمل معاون نيابة، مفضلا الانخراط في المحاماة بمكتب الزعيم محمد فريد، ثم أصبح شريكا في مكتب محاماة بمدينة المنصورة عام 1902، قبل أن يتحول للقضاء ويعمل قاضيا في قنا وأسوان لمدة 6 سنوات، ثم ميت غمر ومحكمة عابدين، وصولا لرئاسة دائرة بمحكمة طنطا، حيث حصل على رتبة البكوية.
يعد انضمام مصطفى النحاس لحزب الوفد نقطة تحول كبرى، حيث كان وكيلا لنادي طلبة المدارس العالية، ولعب دورا تحريضيا ووطنيا فاعلا قبل ثورة 1919، وكان ضمن الوفد المصري المشكل في 13 نوفمبر 1918 لعرض قضية الاستقلال في باريس، والذي ضم 14 عضوا بموجب قانون الوفد الصادر في 23 نوفمبر 1918. خلال ثورة 1919، برز دور مصطفى النحاس كقاض ثائر، حيث كان الوسيط بين لجان الموظفين في القاهرة وطنطا، وخبأ المنشورات داخل ملابسه لتوزيعها على الشعب، مما أدى لفصله من القضاء ونفيه إلى جزيرة سيشل من عام 1921 حتى عام 1923، ليتحول بعد عودته إلى المحاماة ثم الصعود السياسي الصاروخي.
شهد عام 1924 محطة تاريخية حين تولى مصطفى النحاس منصب وزير المواصلات في وزارة سعد زغلول كأول مصري من أصول ريفية يشغل هذا الموقع، مما كسر احتكار النخبة الارستقراطية للحكم، وبعد وفاة سعد زغلول عام 1927، فاز مصطفى النحاس بزعامة حزب الوفد في سبتمبر 1927 بدعم من صفية زغلول ورموز مثل فخري عبد النور ومكرم عبيد، ليصبح رئيسا لمجلس النواب بين عامي 1927 و1928، وبدأت رحلته مع رئاسة مجلس الوزراء التي تولاها 7 مرات، وهي سابقة تاريخية لم يحققها غيره حتى عام 1952.
تعددت وزارات مصطفى النحاس، حيث شكل الأولى في 16 مارس 1928 وسقطت بعد 3 أشهر، والثانية في أول يناير 1930، والثالثة في 9 مايو 1936 التي شهدت توقيع معاهدة 1936، والرابعة في أول أغسطس 1937، والخامسة في 4 فبراير 1942 حين أعاده الإنجليز بقوة حصار الدبابات لقصر عابدين. ورغم النجاحات، وقع الصدام مع مكرم عبيد مما أدى لانشقاقه، فشكل مصطفى النحاس وزارته السادسة في 26 مايو 1942، ثم السابعة والأخيرة في 12 يناير 1950، والتي أعلن فيها في أكتوبر 1951 إلغاء معاهدة 1936 بعبارته الشهيرة “من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم بإلغائها”، وهو ما أدى لاندلاع القتال في القناة وحريق القاهرة في 26 يناير 1952.
تنتهي مسيرة مصطفى النحاس السياسية بإقالته في 27 يناير 1952، ثم قيام قادة ثورة 23 يوليو بحل الأحزاب في 18 يناير 1953، ليوضع مصطفى النحاس وزوجته زينب الوكيل تحت الإقامة الجبرية. ظل مصطفى النحاس حبيس منزله حتى وفاته في 23 أغسطس 1965، وشيعت جنازته من مسجد الحسين بمشاركة عشرات الآلاف، ليرحل الرجل النزيه الذي أحبه المصريون، تاركا خلفه اسما يتردد في كل شارع يحمل ذكرى نضال لم يكسره النفي ولا الحصار ولا محاولات التهميش التاريخي.






















