لم يكن ما جرى خلال الأسبوع الماضي مجرد عملية انتخابية، ولا حتى تجاوزات عابرة في سباق سياسي. ما حدث كان أقرب إلى مهرجان شامل للفساد، إفسادٌ للعقول قبل الصناديق، وتخريبٌ للحياة العامة قبل الحياة السياسية. لقد رأينا منظومة كاملة تتحرك من أجل صناعة “نواب” عبر طرق لا علاقة لها بالشفافية أو القانون، وكأن المطلوب هو إدخال مشرعين جدد إلى البرلمان عبر بوابة الرشوة وشراء الذمم، تمهيدًا لإصدار قوانين يُفترض أنها أرقى من كل السلطات.
كيف يمكن لقانون يصل إلى مرتبة أعلى من القضاء نفسه أن يُصنع بيد أشخاص جاءوا عبر الفساد؟
كيف يمكن لمؤسسة تشريعية أن تُبنى على أرضٍ مشوبة بكل هذا الانحراف؟
ما المعنى الأخلاقي لقانونٍ خرج من رحم التزوير؟
إنها معادلة مستحيلة: لا تشريع نزيه يُولد من فساد، ولا دولة تُبنى على خراب الضمائر.
تجهيز للتزوير… لا انتخابات
المأساة ليست في مشهد يوم التصويت، بل في ما يسبقه. المال السياسي يتدفق. الشباب يُستدعى لتزوير إرادتهم قبل أن يزوّروا إرادة الناس. العقول تُفسد بالتدريج، والضمائر تُغذّى على الخراب، والبلد يُعاد تشكيله ليصبح “مسرحًا للباطل” لا لرحابة الديمقراطية. إنها عملية لا تنتج فقط نائبًا مزورًا، بل تنتج مجتمعًا مكسور الأخلاق، مأزوم الوعي، مشوه المعايير.
سبعون عامًا من التراكمات…
ما يحدث اليوم لم يهبط فجأة من السماء، بل هو امتداد طبيعي لمنظومة تأسست منذ عام 1952. سبعون عامًا من التخريب التشريعي والسياسي صنعت هذا الواقع، حتى أصبح الفساد قاعدة راسخة تتوارثها الأجيال، وكأنها “تقاليد عمل” داخل مؤسسات الدولة.
أزمات الفقر، الاقتصاد المنهك، والحياة اليومية القاسية—كلها ليست نتائج لعوامل اقتصادية فقط، بل لفساد سياسي وتشريعي مستمر، تشترك فيه: قوانين تم تمريرها لخدمة القلة لا الشعب مجالس نيابية صعد إليها من لا يمثلون أحدًا
سلطات اعتادت التحكم في مصائر 110 ملايين إنسان بلا محاسبة
ولم يكن هذا التشويه مستمرًا لولا طبيعة من يصعدون إلى البرلمان، الذين. إن ما يحدث اليوم ليس مجرد انتخابات مزوّرة، بل هو طمس كامل للإرادة العامة، واستبدالها بإرادة المصالح. فالبرلمان، الذي يُفترض أن يكون مرآة الشعب، لم يعد سوى قاعة مغلقة تتجمع فيها ثلاث فئات لا رابع لها:
رجال الأعمال ورجال المصالح الذين يشترون الطريق إلى البرلمان كما يشترون الأسهم،
والعائلات التي تتوارث المقاعد منذ سبعين عاماً وأكثر، كأنها إرث زراعي لا سلطة تشريعية،
وشخصيات ضعيفة مفرغة من الموقف والقدرة، لا تملك إلا الطاعة،
وفاسدون عليهم ملفات وجرائم تُستخدم كأدوات ضغط وإخضاع. بهذه التركيبة، يصبح البرلمان واجهة بلا مضمون، ومؤسسة بلا إرادة، ويتحوّل الوطن نفسه إلى كيان تتنازعه مجموعات مصالح… لا دولة حقيقية، ولا قانون حقيقي، ولا دستور يُحترم.
الفضيحة التي كشفتها يد الرئيس
لقد كانت الفضيحة واضحة إلى درجة أنها انفجرت في وجه الجميع، حتى اضطرت الهيئة الوطنية للانتخابات لإلغاء بعض الدوائر بعد تدخل مباشر من الرئيس. ولولا هذا التدخل، لمرت العملية بكاملها، ولكانت الهيئة نفسها ستتفاخر بنزاهتها كما فعلت من قبل في انتخابات الشورى، رغم ما شابها من فساد منهجي.
الأحزاب التي شاركت في التخريب هي ذاتها التي خرجت تنتقد العملية، لا حبًا في النزاهة، بل لأنها فوجئت بفضيحة تجاوزت قدرتها على الإخفاء.
نهاية المنظومة… ولو بعد حين
هذه المنظومة – مهما بدت قوية ومحصنة – تسير حتمًا نحو لحظة حساب. فالسنن لا تتبدل، والظلم لا يدوم، والضمائر التي أُفسدت قسرًا ستأتي ساعة تستعيد فيها صوتها… حتى لو بعد زمن. إن مصر اليوم لا تحتاج فقط إلى انتخابات نزيهة، بل إلى إعادة بناء كاملة للأخلاق العامة، وإحياء قيمة الحق في الوعي قبل الحق في التصويت.
فالدول لا تنهض بالقوانين المكتوبة، بل بمن يكتب تلك القوانين.
وما دام الفساد هو البوابة، فلن يكون الطريق إلا خرابًا… ولا مستقبل يُبنى على هذا الأساس.





















