عندما نضع التعداد السكاني لمصر (100 مليون) في مقارنة مع الكيان الصهيوني (7 ملايين فقط)، تظهر الفجوة المؤلمة؛ دَخلٌ أعلى، وعلماء ومخترعون أكثر، وإنتاج بحثي وتعليمي يتفوق بمراحل، هذه المقارنة لا تعكس عجزا جينيا أو حضاريا لدى الشعب المصري الذي بنى الأهرامات وابتكر الطب والتحنيط، بل تكشف عن واقع أليم: العبقرية المصرية موجودة بكثرة، لكنها تتعرض لعملية تجفيف وإهدار ممنهج من قِبَل الدولة.
إغلاق منافذ النور وتكبيل المخترعين
لم يكن تراجع الإبداع وليد المصادفة، بل جاء نتيجة قرارات وسياسات أغلقت أبواب الأمل أمام الموهوبين:
تصفية المنافذ الإعلامية والتربوية: جرى إغلاق مراكز الإبداع، وإيقاف مشروع “المخترع الصغير”، وإغلاق شاشات متخصصة مثل “قناة المنارة” التي كانت تشكل متنفساً لعرض العقول الشابة وتبني أفكارها.
تعجيز مالي برسم رسمي: بدلاً من دعم المخترع الشاب، تم رفع رسوم تسجيل براءة الاختراع من 150 جنيهاً إلى مبالغ خيالية تصل إلى نحو 80 ألف جنيه، مما جعل حماية الفكرة أو تطويرها حكراً على المقتدرين مالياً فقط، وقتل آلاف الأفكار في مهدها.
غياب الدور المدرسي: تم تجفيف منابع الاختراع داخل المدارس، وغاب نظام الرعاية والمتابعة للموهوبين، لِيُترك الأمر كاملاً لأولياء الأمور الذين يرزحون بالفعل تحت وطأة الضغوط الاقتصادية ومتطلبات الحياة اليومية.
أولويات إنفاق مغلوطة؟
تتمتع مصر بما لا تمتلكه دول كثيرة: قدرات بشرية هائلة، وموقع جغرافي استراتيجي، ومناخ طبيعي مثالي، ورغم ذلك، تتجلى أزمة الإدارة في ترتيب أولويات الإنفاق؛ حيث تُنفق المليارات على بناء طرق هامشية ومشاريع ترفيهية وألعاب، بينما لا يُخصص ولو خُمس هذه الميزانيات لمشاريع علمية وبحثية كفيلة بنقل الأمة إلى آفاق جديدة فوق السحاب.
تفكيك القلاع الصناعية والنموذج التركي
يكفي أن ننظر إلى التجربة التركية؛ فخلال 10 سنوات فقط، أين وصلت تركيا اليوم في مجال تصنيع السلاح وتطوير التكنولوجيا العسكرية؟
الغريب والمؤلم أن مصر كانت تسبق تركيا بمسافات ضوئية؛ إذ كانت لدينا قلاع صناعية ومصانع متقدمة لصناعة السلاح والصناعات الثقيلة، لكن بدلاً من تطويرها، جرى تدميرها وإسقاطها إما عبر الاستيلاء عليها من قِبَل لصوص الأعمال، أو بتصفيتها نهائياً.
وكان آخر هذه الفجائع تصفية وتفكيك مصنع الحديد والصلب؛ ففي الوقت الذي تبني فيه دول العالم مصانع الحديد والصلب لتأسيس نهضة عسكرية وصناعية، نقوم نحن بهدمها وتدميرها.
سيكولوجية الخوف والتساؤل الجوهري: جهل أم تدمير متعمد؟
تبقى العقبة الأكبر هي الهواجس الأمنية والجدار الزجاجي الذي يحيط بأي تفكير خارج الصندوق. إذا فكر شاب مصري في تطوير مشروع متقدم — كابتكار في مجال السلاح الشخصي أو الحربي — فإن المصير المتوقع ليس الدعم والرعاية، بل الاستدعاء والمساءلة ؟
أمام هذا المشهد الممتد عبر سنوات طويلة من التخريب، يفرض سؤال مرير نفسه: هل هذا الأمر ناتج عن غياب وعي وجهل وعدم مسؤولية؟ أم أنه مدبر بشكل ممنهج ومتعمد لإلحاق أكبر ضرر بمصر وشعبها؟
من يقف خلف كل هذا التدمير المستمر الذي لم يكتفِ بإهدار الاقتصاد والقلاع الصناعية، بل تمادى حتى وصل إلى تجفيف العقول ودفن المواهب وقتل الإبداع في مهده؟ إن استرداد مصر الحقيقية لن يتحقق إلا بوقف هذه التصفية الممنهجة، وتوفير مناخ حر يحتضن العقول ويحمي المقدرات الوطنية بدلاً من التفريط فيها.



















