من يتأمل واقع السكك الحديد في مصر لا يحتاج إلى جهد كثير ليدرك أن ما يحدث ليس مجرد إهمال أو عجز إداري، بل هو منظومة فساد مترسخة، عصابة منظمة تعبث في الأرض خرابًا.
كل المشروعات التي تنفذها الحكومة من طرق وأسفلت وسكك حديد ما هي إلا مقاولات فاسدة، هدفها الأول العمولة والسمسرة، لا الخدمة ولا تطوير البنية التحتية.
99.9 % من مشروعات الحكومة مشروعات بها فساد، ولا تمت بصلة لأي مقاييس جودة حقيقية. روحوا شوفوا الطرق داخل مدينتي أو الرحاب أو كايرو فيستيفال لتعرفوا معنى الطرق الحقيقية.
جميع مقاولين الطرق فاسدون، ولا يوجد طريق في مصر مطابق لأي شروط، وأتحدى وأكرر: يكفيكم أن تنظروا إلى حوادث الطرق الإقليمية والصحراوية و حتى طرق المحليات، وغيرها لتفهموا.
منظومة النقل كلها فاسدة من أولها لآخرها، وأتحدى الوزير أن يخرج بطريق واحد على مستوى الجمهورية يطابق الشروط، والأكواد العالمية أو حتى المصرية شرط أن يتم الفحص عن طريق مكتب دولي محايد.
انظروا إلى خطوط السكك الحديد خارج خط القاهرة – الإسكندرية، فلن تجدوا فيها ما يصلح لنقل الحيوانات، فكيف تُترك لنقل البشر؟! هيئة السكك الحديد تحولت إلى ثقب أسود يبتلع المليارات عبارة عن تشكيل مؤسسى يصعب اختراقة ، وتوزعها رشاوى وعمولات.
منظومة الستوم كيان عملاق للفساد فى مصر خصوصا قطاع النقل
رشوة السيد مدير القطاع المالي والإداري للمترو ( محاكمة رئيس القطاع المالي والإداري بالهيئة القومية للأنفاق، بتهمة تلقي رشوة من رئيس إحدى الشركات الفرنسية (الستوم )، مقابل صرف الدفعة المقدمة عن بعض أعمال المرحلة الثالثة لمترو الأنفاق وقيمتها 51 مليون جنيه). إلا غيض من فيض. وطبقًا للقانون كان ينبغي حرمانها من أي مشروعات جديدة طبقا للقانون المنقاصات ، و لكن بعد ثلاثة أشهر فقط منحهم مشروعات جديدة اخرى حصلت عليها الشركة بعد تقديم الرشوة
على الرغم من فضائح الرشوة المتورّطة فيها في ملفات وزارة العدل الأمريكية، واعترافها بدفع رشاوى لمسؤولين مصريين للفوز بعقود كهرباء (مثل النوبارية والتبين)، استمرت شركة ألستوم في لعب دور محوري في مشروعات النقل العام في مصر. ففي عام 2015، حصلت على عقود لتوفير أنظمة الإشارات والبنية التحتية لمرحلة 4A من الخط الثالث لمترو القاهرة، وعلى إثرها تم تشغيل محطات من هليوبوليس إلى عدلي منصور عام 2020.
كما أبرمت 2016 عقدًا لتمديد الخط الأول من المترو إلى محطة «المرج الجديدة»، وأُبرم في 2021 عقد ضخم لتوريد 55 قطارًا من طراز Metropolis وتوفير صيانة لمدة 8 سنوات لترقية الخط الأول، بقيمة 876 مليون يورو.
وفي 2022، أبرمت اتفاقًا مع الهيئة القومية للأنفاق لتصميم وبناء وصيانة الخط السادس لمترو القاهرة، وهو المشروع الأول الأكثر تطورًا والذي سيكون أول مترو بدون قائد في إفريقيا. كذلك، واصلت ألستوم مشاركتها في تطوير الشبكة الحديدية، وإنجاز مشروع إشارات خط بنى سويف–أسيوط الذي بدأ تشغيله فعليًا في 2024.
وأتحدى أن يتركوا صحفيًا واحدًا يقوم بعمل تقرير كامل عن منظومة السكك الحديد من أول محطة مصر وحتى كل خطوط الأقاليم، أو حتى عن القطارات الفاخرة لخط الصعيد، أو حتى عن المترو. لأن أي تقرير حقيقي سيكون فضيحة علنية تكشف المستور.
ولو أراد صحفي حقيقي أن يكشف الحقيقة، فليذهب ويكتب تقريرًا عن واقع القطارات: عن محطات متهالكة، عن قطارات قذرة، عن بائعين جائلين يحتلون العربات، عن حمامات بلا ماء، وعن كراسي مكسرة. كل شيء متروك للفوضى إلا تحصيل الغرامات؛ فهذا الملف يدار بعنف وقوة.
رؤساء القطارات لا ينفذون إلا أوامر الوزير كامل الوزير: تحصيل الغرامات بالقوة، سبعون جنيهًا على تذكرة ناقصة، ومحاضر تهديد وبلطجة. أما إذا كان معك حقيبة أو كرتونة، فاستعد لدفع “إتاوة” كأنك تاجر مخدرات.
حتى أبسط الإجراءات، مثل تغيير أرقام العربات في المحطة النهائية، لا تُنفذ. المواطن المرهق يركب عربة برقم، ليكتشف لاحقًا أنه في غير مكانه، ويُضطر للسير بحقائبه وأطفاله من أول القطار إلى آخره وسط الزحام. مهزلة يومية لا تنتهي.
والأدهى أن العصابة التي تنهب أموال الشعب أو الأسياد الذين نصبوا أنفسهم أصحاب المليارات المنهوبة من عرق وتعب المصريين الغلابة، هم أنفسهم أصحاب الغلاء والبلاء على الشعب، ناهبو قوت المصريين الكادحين. ساكنو القصور، راكبو العربات الفاخرة، هؤلاء المجرمون القتلة ليسوا تجارًا بل مصاصي دماء. والغريب أن الدولة اليوم لا تقوم بمشروعات إلا لهم: منتجعات، قطارات فاخرة، طرق ممهدة خصيصًا، وكلها تُموَّل من جيوب الشعب المتهالك تحت وطأة الظلم والفساد.
وإذا نظرنا إلى التاريخ ندرك المفارقة: مصر في ظل الاحتلال الإنجليزي، رغم مرارته، كانت تمتلك سكك حديد من الأفضل في العالم، نظيفة ومنظمة. أما اليوم، بعد عقود من الاستقلال المزيف، فقد صارت السكك الحديد مرآة للبلطجة السياسية التي تدار بها الدولة كلها.
لكن، وسط كل هذا الخراب، هناك استثناء وحيد: قطار الأسياد، القطار السريع من العاصمة إلى العلمين، حيث يسافر القلة المترفة، بينما ملايين المصريين يُتركون في قطارات الموت. إنها الطبقية الصارخة: قطارات للفقراء، قطارات للأغنياء، قطارات للعبيد، وقطار خاص للآلهة.
إنها ليست أزمة سكك حديد فحسب، بل أزمة حكم، أزمة دولة لا ترى في الشعب سوى عبء يجب تحصيل الغرامات منه، بينما يذهب المال العام إلى جيوب العصابة من المقاولين و العمولات و السمسرة . فكيف لمجتمع يُسرق ليلًا ونهارًا أن ينهض؟ وكيف لشعب يُعامل كعبيد أن يثق في نصف إله يتربع على عرش الوزارة ويقول: “مستمر حتى الموت”؟



















