في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي ذروة سعي الخديوي إسماعيل لتقديم مصر بوصفها دولة حديثة تسير في ركاب أوروبا، جرى إنشاء مجلس نيابي لم يكن في حقيقته برلمانًا بالمعنى السياسي الدقيق. لم يكن انتخابًا حرًا، ولم تكن له سلطة تشريعية حقيقية، بل كان أقرب إلى واجهة سياسية موجهة للخارج، ورسالة طمأنة للعالم بأن مصر “تتحدث لغة العصر”.
كان ذلك المجلس، في نشأته، شكلاً بلا مضمون.
لكن التاريخ، على غير ما أراد صُنّاعه، لا يتوقف عند النوايا الأولى. فمع مرور الوقت، ومع احتكاك الأعضاء بفكرة النقاش والتمثيل والمساءلة، بدأ هذا الشكل يكتسب مضمونًا لم يكن مقصودًا له. بدأ الأعضاء يتحدثون لا بوصفهم تابعين، بل ممثلين. بدأ السؤال يحل محل التصفيق، والاعتراض يحل محل الصمت. وهكذا، وببطء، انقلب المشهد: ما أُنشئ ليكون ديكورًا سياسيًا، صار نواة لتجربة نيابية حقيقية، بكل ما لها وما عليها.
هذه ليست رومانسية تاريخية، بل حقيقة موثقة:
كثير من المؤسسات السياسية في العالم لم تُولد ديمقراطية، لكنها تعلّمت الديمقراطية مع الزمن.
من هنا يصبح الربط بالحاضر مشروعًا، بل ضروريًا.
اليوم، ينظر كثير من المصريين إلى البرلمان القائم باعتباره برلمانًا محدود الاستقلال، ضعيف التمثيل، أقرب إلى التعيين المقنّع منه إلى الاختيار الحر. هذا التوصيف، في جوهره، ليس تجنيًا ولا مزايدة، بل قراءة واقعية لسياق سياسي مختلّ تراجع فيه المجال العام، وضعفت فيه السياسة، وانكمش فيه الأمل.
لكن السؤال الأخطر ليس: كيف وُلد البرلمان؟
بل: ماذا يمكن أن يصير؟
السلطة قد تُنشئ مؤسسة لتجميل صورتها،
لكنها لا تملك وحدها أن تحدد مستقبلها.
التحول من الشكل إلى المضمون لا يحدث بمرسوم، بل بتراكم بطيء لثلاث قوى لا تستطيع أي سلطة السيطرة عليها بالكامل:
الزمن، والوعي، والممارسة.
الزمن وحده كفيل بتعرية الزيف أو ترسيخ الحقيقة.
والوعي العام، حين يراقب ولا يسخر فقط، يصبح قوة ضغط صامتة لكنها فعّالة.
أما الممارسة، فهي مسؤولية من جلسوا تحت القبة: أن يقرروا هل هم موظفون في وظيفة سياسية، أم نواب عن مجتمع يتألم ويصبر وينتظر.
التاريخ المصري نفسه يعلّمنا أن البرلمانات لا تبدأ قوية، ولا تُمنح صلاحياتها دفعة واحدة. تُنتزع الصلاحيات انتزاعًا هادئًا، عبر السؤال، والاعتراض، وتسجيل المواقف، حتى لو بدت رمزية في لحظتها. فالمواقف التي لا تغيّر قرارًا اليوم، قد تغيّر وعيًا غدًا.
من الخطأ أن نُعلّق آمالنا على نوايا السلطة.
ومن الخطأ أيضًا أن ندفن الأمل بحجة أن كل شيء مُصادَر.
الأمل الحقيقي لا يكمن في حسن التعيين، بل في سوء الطاعة السياسية داخل الإطار القانوني: أن يتحول النائب من مُعيَّن فعليًا إلى ممثل فعلي، وأن يتحول البرلمان من مساحة صمت إلى مساحة كلام، ومن ختم إلى ساحة نقاش.
التاريخ يقول لنا بوضوح:
أحيانًا، تُجبر السلطة على إنشاء شكل،
ثم يفاجئها المجتمع بأن هذا الشكل اكتسب روحًا.
لسنا مطالبين بتزييف الواقع، ولا بتجميله، ولا ببيع أوهام رخيصة.
لكننا مطالبون بألا نغلق الباب الوحيد الذي يتركه التاريخ مواربًا دائمًا:
باب التحول البطيء، العنيد، من الزينة إلى الجوهر.
فالديمقراطية، في نهاية الأمر، لا تدخل من الأبواب الواسعة…
بل تتسلل من الشقوق.
ما زال عندي أمل




















