تأتي الانتخابات الرئاسية القادمة، في ظل ظروف صعبة جدًا في كل النواحي، اقتصاديًا، وسياسيًا، واجتماعيًا، وسط موجة من السخط الكبيرة لحالة الغلاء المعيشية التي نحياها، وتحمل الشعب تبعيات الإصلاح الاقتصادي التي فاقت قدرته.
كنت أتمنى أن يقوم الرئيس السيسي بعدم الترشح لولاية أخرى، ليس لعدم قدرته على إدارة شئون البلاد، إنما لنؤسس لدولتنا الجديدة ميثاقًا يُحتذى به، وأن يكون هو الوسيط الأمثل في تسليم السلطة لخلفه بعد مدتين قضاهما في الاتحادية، ونقدم له جزيل الشكر على ما حققه في فترة تولية المسئولية، وأن يكون له من سعة الصدر أن يتقبل اختلاف وجهة نظر لا تتفق مع رؤيته.
فالجميع بدون استثناء معارضة ومؤيدين لا يشغلهم سوى حب الوطن ورفاهيته، ولا نشكك في وطنية أحد طالما لم يخون هذا الوطن، ولا يعمل على تقويضه، ولم تتلوث يداه بدماء أبناؤه الأبرار.
فأنا كمواطن مصري ليبرالي وسطي، مؤمن بالدولة المدنية الديمقراطية التشاركية الحديثة، محورها الإنسان وباعث نهضتها، وأن البناء في الإنسان قبل الحجر هو أساس تقدم الشعوب، ولنا أمثلة كثيرة في دول خرجت من الحرب العالمية الثانية مشتتة، مترهلة، ضعيفة، ولكن لديها الإنسان القادر على هذا التحدي، وعدم الرضوخ إلى اليأس وأصبحت دول عظيمة قوية مثل ألمانيا واليابان على سبيل المثال.
كما أن هناك دول بدأت حركة نهضتها معنا، ولكننا تخلفنا عن السباق وتراجعنا إلى أقصى درجات الرجوع مثل كوريا الجنوبية، وبلدان لها تجربتها الفريدة مثل سنغافورة وماليزيا.
من منا لم يُحلم بمصر صاحبة التاريخ العظيم، والإرث الحضاري الكبير، والموقع المميز، والمناخ الساحر، والهبات الطبيعية الإلهية العظيمة، لدينا شواطئ تمتد لمئات الكيلو مترات، ومحميات طبيعية، وبحيرات.
مصر المتحف المفتوح لما بها من كنوز آثرية، وقدرات بشرية.
مصر الأزهر والكنيسة.
مصر نهر النيل.
مصر التي انتفضت لتكسر حاجز الخوف والصمت في 25 يناير 2011 المجيدة.
مصر التي استعادت هويتها وروحها في 30 يونيو 2012، عندما أطاحت بحكم المرشد وعادت إلى أبنائها.
كيف لبلد عظيم أن يكون من دول العالم الثالث؟، كيف له أن لا ينهض برغم كل ما يمتلكه؟.
مصر تستحق ان تكون الأفضل والأرقى.
صحيح في عهد الرئيس السيسي كانت ضربة البداية لجمهورية جديدة، صنع فيها كثير من الإنجازات لن يمحوها التاريخ، ولا يتجاهلها إلا مغرض خائن لوطنه ولضميره مثل، حياة كريمة، وتكافل وكرامة، علاج المصريين من فيروس سي، ومشاريع الإسكان الاجتماعي، والقضاء على العشوائيات، وزيادة الرقعة الزراعية، وشبكة الطرق والمدن الجديدة، حقًا هناك مشاريع تطول القائمة عن ذكرها.
ولكن هناك أيضًا مشروعات غير مُجدية في تلك الفترة من وجهة نظر البعض مثل العاصمة الإدارية الجديدة والكيان وقناة السويس الجديدة، فطبقًا لرؤية المعترضين عليها، أنها استقطعت من موارد البلد الكثير، وكان الأهم هو ضخ تلك الموارد في التعليم والصحة والمشاريع الصغيرة ومتناهية الصغر، ودعم المصانع المتعثرة وإعادة هيكلتها والدفع بها إلى ضخ صناعة واستثمار يفيد الناتج القومي.
كذلك مشاكل مهمة معلقة أهمها طبعا الأزمة الاقتصادية، والبطالة والتضخم، وأزمة سد النهضة، وسجناء الرأي، وتراكم الديون الخارجية جراء القروض، والحريات، وفتح المجال العام.
فالانتخابات القادمة مصيرية، ويجب أن يخرج المرشحين بما فيهم الرئيس نفسه والمرشح للفترة القادمة بمخاطبة الشعب في الحلول التي يراها مناسبة للخروج من هذا النفق المظلم، وأن تكون هناك نفس المساحة لباقي المرشحين لعرض وجهة نظرهم لكل العوائق التي تتصدر المشهد المصري.
فالموضوع من الصعوبة بمكان، في أن يتم استكمال المشوار على هذا النهج من السياسات القائمة الآن، ولابد من حلول حقيقية وواقعية، لتطويع الأزمة وحلحلتها للخروج منها، فكفانا مُسكنات.
فالاعتراف بالواقع الحقيقي هو جزء من الحل، إنما التمادي في تجاهله، والإصرار على أن هناك إنجازات تمت، مع أنها ليست جزء من الحل، هو نوع من المغالاة والتباطؤ في الوصول إلى حالة استقرار.
فهل في ظل جمهوريتنا الجديدة نرى مناظرة بين المرشحين والتي تأتى بأسمائهم اللجنة العليا للانتخابات بعد قبول واستكمال إجراءات ترشحهم؟.
صحيح الرئيس السيسي خرج في مؤتمر “حكاية وطن” ليحكي حكاية هذا الوطن، كيف كان وكيف أصبح الآن؟،
لكنه لم يقل لنا ما هي الحلول للأزمات التي تضرب الوطن الآن، وكيفية الخروج منها والوصول إلى دولة الرفاهية.
هل يتقبل الرئيس الانتقاد من مرشح يواجهه في معركة انتخابية نتمناها نزيهة وشريفة وشفافة؟.
سيدى الرئيس، لقد كنت في صفك ومن مؤيديك، لكنك لم تُعد تسمع سوى صوت التصفيق والإشادة، ولكننا صوت عقل يحب هذا الوطن، ولم نرغب في أن ننزوي إلى جوار الحائط، أو نكون من حزب الكنبة، لأن هموم الوطن هي جل ما يشغلنا، فمستقبله هو مستقبل أبنائنا، فأرجو أن تقنعني بما أختلف به مع سيادتكم.
لقد رأينا كيف تم تسخير كل مؤسسات الدولة وأجهزتها، وكل الفضائيات والصحف والمواقع وحتى الشوارع والميادين، في مؤتمر “حكاية وطن” وعلى مدار ثلاثة أيام لعرض إنجازاتكم ونحمد الله عليها، ونحمل لحضراتكم كل تقدير لما قدمتموه.
لكن هل تسمح لنا بالنقد الموضوعي البناء، وأن نعترف أن الوطن يعيش تحت سمائه مؤيد ومعارض لا يشغلهم سوى نهضته، يجمعهم دائمًا حوار راقي، نختلف سياسيًا، لكن نتفق على ما هو لصالح الوطن.
نحن نريد دولة مدنية، ديمقراطية، مؤسسية، بها أحزاب حقيقية، وتداول للسلطة، ناهضة اقتصاديًا واجتماعيًا، محتلة مكانتها الإقليمية والدولية المرموقة، ناهضة في التعليم والصحة والثقافة والوعى ودخل الفرد، لا وساطة ولا محسوبية، الكفاءة هي المعيار في تولى المناصب، يحترم فيها القانون والدستور، الكل سواء لا فرق بين رئيس ومرؤوس، دولة بها مائدة حوار يجمع كل الفرقاء فيما يهم الوطن.
دولة ليس بها بطالة ولا تضخم ولا فقراء، دولة تحقق العدالة الاجتماعية لشعبها والعيش الكريم، وينعم أفرادها بالحرية والمساواة، وأن يكون القطاع الخاص قاطرة التنمية وتوفر له سبل النجاح، وتطبق وثيقة ملكية الدولة بكل شفافية، دولة تحافظ على إرثها الثقافي والحضاري وهويتها الراسخة.
لكن المواطن الآن، يعانى؟ فهل هذا المواطن سيشكر الحكومة على شبكة الطرق العملاقة، والمدن الجديدة، وأن مصر بلا عشوائيات، وعلى حياة كريمة، وتكافل وكرامة، وغيرها من المشاريع العملاقة، ومئات المبادرات التي استفاد منها الملايين، وهو يعانى من قسوة الحياة والغلاء، فمهما أخبرتموه عن إنجازات وعن مستقبل وهو يعانى لن ينصت، لأنه يعيش الواقع الحقيقي لحياته، ولن يستطيع أن يتحمل أكثر من ذلك، مع أنه رضخ طوال تلك السنوات الماضية أملًا في أن يجد ما وعد به، لكن لم يجد غير الضيق.
فلن يبتهج أن هناك عاصمة إدارية جديدة، وأن لدينا أكبر مدينة للفنون، ومدينة العدالة، وأكبر مسجد وأكبر وأكبر وأكبر… كل هذا لا يهمه ولا يهتم به، هو فقط يريد أن يعيش يومه بستر وأن يكفيه دخله ويسد متطلبات حياته الضرورية، لا يبحث عن كماليات، فأولوياته محددة، وحتى تلك الأولويات الأساسية أصابها النهش والتخفيف.
هذا المواطن الذى يشكل غالبية المصريين لن يهتم بقراءة الدستور ولا بنظام الحكم فيه، ولا بقانون الأحزاب السياسية المقترح، ولا قانون الإدارة المحلية والمحليات المزمع مناقشته، ولا بقانون العمل الجديد ولا أي شيء هو فقط يريد أن يعيش بدون ضغوط اقتصادية ومعيشية.
فالبطالة والتضخم في تزايد مستمر، وهو لا يعنيه أننا ليس لدينا وزارة استثمار، ولا أن هناك تعديل في قانون الاستثمار لجذب مزيد من رؤوس الأموال لمشاريع جديدة تزيد من الناتج القومي وتقلل نسب البطالة، كل تلك الأمور تركها للحكومة والتي عجزت عن تحقيق متطلباته.
هذا المواطن الذى يبحث عن تعليم جيد لأبنائه، لكنه تُرك فريسة لمافيا الدروس الخصوصية تلتهم دخله، ووسط غياب تام للمدرسة أساس العملية التعليمية.
هذا المواطن الذى يعانى من تدنى الخدمة الصحية المقدمة إليه، وهو لا يستطيع العلاج في المستشفيات الخاصة فتُرك فريسة للمرض، لن يتذكر حملة “100 مليون صحة” ولا مبادرة “العلاج من فيروس سي”، هو يتكلم عما هو فيه الآن.
ننتقد بموضوعية من نابع وطني صميم، ونُشيد بكل إنجاز يتم على أرض المحروسة، ونساند الدولة لما فيه رفعتها وريادتها.
أتمنى على الرئيس القادم أن يعى جيدًا واقعية المشهد الحقيقى، وأن التغيير أصبح ضرورة حتمية لهذا الواقع.
وعلى المواطن أن لا يترك حقه في اختيار قائد المرحلة القادمة، وأن يُحسن اختياره، فالانتخابات نقطة فارقة في حياة الوطن، حفظ الله الوطن وأنعم على الشعب بالخير والرخاء، وختامًا ندعوه أن يولي من يصلح.



















