في أحد الشوارع الهادئة، تبدو العمارة مكتملة الملامح، واجهة حديثة، ومصاعد تعمل، وأبواب شقق مغلقة بإحكام، لكن مع حلول المساء لا تضاء سوى نافذتين أو ثلاث، بينما تظل بقية الوحدات مظلمة، وكأنها لم تستقبل سكانا يوما، هذا المشهد لم يعد استثناء في عدد من المناطق، بل أصبح ظاهرة تتكرر في مدن مختلفة، لتطرح سؤالا مهما: لماذا تبقى آلاف الوحدات السكنية مغلقة رغم استمرار الطلب على السكن؟
ظاهرة صامتة تثير تساؤلات حول الاستفادة من الثروة العقارية
ويرى المتخصصون في القطاع العقاري، أن بقاء بعض الوحدات مغلقة لا يرتبط بسبب واحد، وإنما بعدة عوامل تختلف من مالك إلى آخر. فهناك من يحتفظ بالعقار باعتباره وسيلة لحفظ قيمة أمواله، دون وجود نية قريبة للبيع أو التأجير، بينما يفضل آخرون الانتظار لحين ارتفاع الأسعار مستقبلًا، اعتقادًا بأن الاحتفاظ بالوحدة يحقق لهم عائدًا أكبر من استغلالها في الوقت الحالي.
وفي المقابل، يشير مراقبون، إلى أن هناك وحدات أخرى تظل مغلقة بسبب عدم اكتمال التشطيبات أو تأخر توصيل بعض المرافق أو تغير الظروف الاقتصادية لأصحابها، وهو ما يؤدي إلى تأجيل الانتقال إليها لسنوات، رغم جاهزية المبنى من الخارج.
ويؤكد خبراء العقار، أن استمرار هذه الظاهرة ينعكس على الحياة داخل بعض المناطق السكنية، إذ يقل عدد السكان الفعليين مقارنة بعدد الوحدات القائمة، وهو ما يؤثر على حركة الأنشطة التجارية والخدمية، ويؤخر اكتمال المجتمعات العمرانية الجديدة بالشكل الذي خُطط لها.
كما يلفت المتخصصون، إلى أن وجود عدد كبير من الوحدات غير المأهولة قد يؤثر أيضًا على مستوى الصيانة داخل بعض العقارات، لأن انخفاض نسب الإشغال يقلل من حجم المساهمات المالية المخصصة للحفاظ على المرافق المشتركة، وهو ما قد ينعكس تدريجيًا على حالة المبنى.
وفي الوقت نفسه، يرى عدد من المستثمرين، أن الاحتفاظ بالعقار دون استغلال يظل قرارًا شخصيًا يخضع لظروف كل مالك، خاصة أن العقار ما زال يمثل بالنسبة لكثيرين أحد أكثر أدوات الادخار والاستثمار استقرارًا، وهو ما يجعل بعضهم يفضل الاحتفاظ بالوحدة لفترات طويلة.
ويبقى السؤال مطروحا داخل السوق العقارية، كيف يمكن تحقيق التوازن بين حق المالك في التصرف في ممتلكاته، وبين تعظيم الاستفادة من الوحدات السكنية القائمة؟ ويؤكد خبراء أن الإجابة لا تتعلق بالأفراد فقط، بل ترتبط أيضا بتطوير آليات تشجع على زيادة معدلات الإشغال والاستفادة من الثروة العقارية، بما ينعكس على تنشيط المجتمعات العمرانية وتعزيز كفاءة استخدام الأصول السكنية، لتتحول العمارات المضيئة من الخارج إلى أحياء تنبض بالحياة من الداخل.
اقرا ايضا: القطاع العقاري يواكب اقتصاد المناسبات بالفعاليات الموسمية والاحتفالات الكبري




















