تظل الجغرافيا قدراً، لكن السياسة هي فن إدارة هذا القدر بحكمة واقتدار. وفي اللحظات الفارقة من عمر الأزمات الكبرى، تبرز الدول التي تتقن فن “النفس الطويل”.
حيث لا تحسب الانتصارات بالضربة القاضية السريعة، بل بالنقاط التي تُسجل في الوقت القاتل. اليوم، ومع ارتداد صدى فتح بوابات معبر رفح البري، نحن لا نتحدث عن مجرد عبور لبشر وبضائع، بل نتحدث عن عبور للإرادة المصرية فوق حواجز التعنت والضغوط، لنؤكد للعالم أن القاهرة حين تصمت، فهي تخطط، وحين تتحرك، فهي تفرض واقعاً جديداً.
بعد فترة من الإغلاق القسري الذي ضاعف من معاناة الأشقاء في قطاع غزة، يفتح لنا معبر رفح البري مجدداً كشريان للحياة، معلناً بدء استقبال الأفراد في خطوة أولى نحو التشغيل الجزئي.
هذه الخطوة ليست مجرد إجراء لوجستي، بل هي التدشين الفعلي للمرحلة الثانية من “خطة السلام” الشاملة التي ترعاها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تهدف إلى إنهاء الصراع وبدء حقبة إعادة الإعمار الشاملة لقطاع غزة.
تقدير دولي لزعيم “صناعة السلام”
يأتي هذا الإنجاز في ظل تنسيق رفيع المستوى بين القاهرة وواشنطن، حيث أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة عن تقديره العميق لفخامة الرئيس السيسي. لقد وصف ترامب الدور المصري بأنه “الركيزة الأساسية” التي لولاها لما صمد اتفاق وقف إطلاق النار، مؤكداً أن حكمة القيادة المصرية وشجاعتها في اتخاذ القرارات الصعبة هي التي مهدت الطريق أمام تطبيق بنود المرحلة الثانية من الاتفاق، والتي تشمل فتح المعبر وإعادة بناء غزة وتثبيت دعائم الأمن الإقليمي.
عمل وطني مخلص في وجه التشكيك
إن ما تحقق اليوم هو ثمرة عمل وطني مخلص ودؤوب من الدولة المصرية، التي خاضت معاركها على جبهات متعددة. فبينما كانت القاهرة تعمل بصمت وشرف وصدق، واجهت حملات مسعورة من التشكيك ومحاولات التخوين الممنهجة من أطراف سعت لتقزيم دورها. لكن الدولة المصرية لم تلتفت للصغائر، واضعة نصب عينيها الحفاظ على القضية الفلسطينية وحماية الحق التاريخي للشعب الفلسطيني في أرضه، مؤكدة أن “الشرف في الخصومة والصدق في الإدارة” هما شيمة الكبار.
المخابرات العامة.. مهندسو التوازن الصعب
وهنا تتجلى العبقرية في أداء مؤسسات الدولة المصرية، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة المصرية. لقد أدار هذا الجهاز ملفاً هو الأعقد في العالم باحترافية هادئة، متجاوزاً دور الوسيط التقليدي ليكون “صانعاً للتوازنات”.
وضابطاً للإيقاع. بذكاء استراتيجي، عرفت المخابرات المصرية متى يجب التصعيد، ومتى يُترك الزمن ليعيد تشكيل المواقف، حتى أدركت القوى الدولية كافة أن أي حل حقيقي لا بد أن يمر عبر القاهرة.
سيادة الفعل لا سيادة الكلام
لقد راهن الكثيرون على انكسار الموقف المصري تحت وطأة الضغوط، لكن الرهانات سقطت وبقيت الدولة.
مصر صبرت، راقبت، ونسقت، ثم تحركت عندما اكتملت معادلة المصالح، لتفتح المعبر بشروطها وفي التوقيت الذي يخدم رؤيتها القومية. إن فتح معبر رفح هو بداية مرحلة جديدة تُدار بـ “عقل الدولة” لا بعاطفة الشارع. لقد اختارت مصر أن تتكلم بالفعل، وأن تترك النتائج تتحدث نيابة عنها.
فرفح لم يُفتح تحت الضغط، بل فُتح بـ”الصبر الاستراتيجي” والعمل المخلص.. وهذه هي السياسة حين تُدار بمنطق الدول الكبرى التي تضع أمنها القومي وحقوق أمتها فوق كل اعتبار.





















