انقسم المجتمع المصري بشأن كلاب الشوارع، ظهر على مواقع التواصل أسوأ ما في السلوكيات لتعبير كل طرف عن وجهة نظره، لم تستخدم الحجج أو محاولات الإقناع إنما استخدمت أساليب غير لائقة لكي يؤكد كل طرف قوة منطقه.
في النهاية ستكون الكلاب ضحية الجميع وهي الطرف الأضعف في مجتمع لم يعرف كيف يدير المشكلة التي تحولت إلى أزمة بسبب جشع من صاغوا حياة الكلاب على أنها “سبوبة” يجب استغلالها، أحد أسباب الأزمة أنها تركت تتضخم من مشكلة كانت “صغيرة” لتتضخم وتصل إلى درجة الأزمة.
الكلاب التي تجوب الشوارع ليست كلابا ضالة، بل كائنات فقدت الحماية لا الانتماء، فالضلال يفترض خروجا عن الطريق بينما هذه الكلاب ولدت أصلا في الطريق، ونشأت في فراغ صنعه الإنسان، ثم عاد ليحاكمها عليه، لم تعد قضية كلاب الشوارع مسألة بيطرية أو خدمية فحسب، بل تحولت إلى ساحة صراع اجتماعي وأخلاقي.
انقسم المجتمع انقساما حادا بين طرفين، طرف يرى في الحيوان كائنا حيا يستحق الرحمة، فيطعمه ويسقيه ويعالجه من ماله الخاص، وطرف آخر لا يكتفي بالخوف أو النفور، بل يتلذذ أحيانا بإيذاء الحيوان، ويصفق للعنف حين يمارس ضد كلب أو قطة، لا حول لهما ولا قوة.
هذا الانقسام لم ينشأ من فراغ ، بل غذته وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تحولت الحالات الفردية إلى ظواهر عامة عبر التعميم المتعمد، فيديو لكلب يطارد شخصا، يقدم باعتباره دليلا على خطر داهم، بينما يهمل السياق: هل كان الكلب جائعا؟ مريضا؟ مستفزا؟ مسعورا ؟.
في المقابل تنشر مشاهد التعاطف المتبادل بين إنسان وكلب لإثبات أن الكلاب أكثر وفاء من كائنات أخرى، وهكذا صار الحيوان أداة في معركة سرديات، لا موضوعا للحل، في قلب هذه الفوضى وقفت الأجهزة المسئولة طويلا موقف المتفرج، تركت التكاثر العشوائي بلا برامج تعقيم، وتركت القمامة بلا إدارة رشيدة، وتركت الشارع بلا رؤية.
وحين بلغت الأزمة ذروتها، جاء التدخل لا في صورة سياسة متكاملة، بل كحل أمني، تجميع الكلاب ونقلها إلى أطراف المدن، هذا التدخل بدل أن يهدئ المخاوف، أثارها، محبو الحيوانات يخشون القتل الجماعي تحت مسميات إدارية، ويخشون أن تتحول الكلاب إلى سلعة، فالحديث المتداول على ألسنة بعض البيطريين عن الاستفادة من دماء الكلاب وتصديرها للخارج لعلاج كلاب في دول أخرى، مقابل عائد بالدولار، يفتح بابا مظلما من الأسئلة الأخلاقية، وحتى إن لم تثبت هذه الروايات، فإن انتشارها وحده دليل على فقدان الثقة.
هل الأزمة مصطنعة؟ نعم يمكن القول إن هذه الأزمة مصطنعة جزئيا، أو على الأقل مضخمة ومدارة بطريقة خاطئة، تتجسد الأزمة حين تهمل المشكلة سنوات طويلة وتترك بلا بيانات شفافة أو خطاب رسمي واضح، وهو ما يفتح المجال للشائعات بدل المعلومات.
عندما يستبدل الحل العلمي، التعقيم، التطعيم، الإدارة البيئية بحلول قسرية سريعة، الأزمة ليست في عدد الكلاب فقط، بل في طريقة تفكير المجتمع في الضعفاء سواء كانوا حيوانات، أو غيرها، خاصة أن هناك بعدا آخر متوقع إذا تدخلت جمعيات الرفق بالحيوان الدولية، كما حدث في دول أخرى.
أو إذا خرجت صور أو تقارير عن قتل جماعي أو تصدير غير أخلاقي عندها لن يكون الحديث عن كلاب فقط، بل عن صورة الدولة، والتزاماتها الدولية، وخطابها الإنساني، في دول مثل الهند، وتركيا، والمكسيك، واجهت المجتمعات أزمات مشابهة.
الحل لم يكن في القتل، بل في برامج معروفة عالميا تتضمن إمساك الحيوان، التعقيم، الإعادة لمكانه الذي أمسك فيه، هذه السياسات أثبتت أن السيطرة على الأعداد لا تأتي بالعنف، بل بالصبر والعلم، واعتبار الحيوان جزءا من النظام البيئي والمجتمعي ، لا خطأً يجب محوه.
إن طريقة تعامل أي مجتمع مع الحيوان مؤشر حضاري, فالكلب لا يكتب شكوى أو منشورا، ولا يصور فيديو، ولا يقدم بلاغا، إنما هو الطرف الأضعف دائما، وحين يعجز المجتمع عن الاتفاق على حق كائن أعزل في الحياة دون تعذيب، فإنه يكون من الصعب الاتفاق علىحقوق البشر المختلفين.
كيف صنعت الأزمة ؟ بدأت بالإهمال المتعمد صناعة الفراغ فالأزمة لا تخلق فقط بالفعل، بل تخلق أيضا بالامتناع، فتترك مشكلة ما لتتفاقم بلا خطوة واضحة بلا بيانات شفافة بلا خطاب رسمي في تلك المرحلة، يبدو الأمر فشلا إداريا، لكنه في أحيان كثيرة يكون إدارة بالترك.
فالفراغ يولد الفوضى، والفوضى تولد الخوف، والخوف يسهل تمرير ما كان مرفوضا من قبل، يسمى هذا السلوك الإهمال المصنوع وفي المرحلة التالية يجري تضخيم الخطر، وصناعة الخوف، وحين تبلغ المشكلة حدا معينا، يبدأ التحرك وتسليط الضوء على أسوأ الحالات فقط، وتكرار مفردات مثل خطر، تهديد، انفلات، كارثة .. إلخ، وتعميم الحالات الفردية باعتبارها نمطا عاما، وتلعب وسائل الإعلام دورا حاسما، سواء بقصد أو دون قصد، والخوف هنا لا يستخدم لإقناع الناس بالحقيقة، بل لإقناعهم بالتخلي عن الاعتراض.
بعد ذلك تأتي مرحلة تقسيم المجتمع لكسب معركة السردية، ولا يطرح الحل مباشرة، بل يقسم المجتمع أولا بين مؤيدين ومعارضين، بين عقلانيين وعاطفيين، في هذه المرحلة يجرد المعترض من الأخلاق، ويصور الحل المقدم بوصفه الشر الأقل. وحين ينشغل المجتمع بالصراع الداخلي البيني، تختفي المساءلة.
تأتي بعد ذلك مرحلة تقديم الحل الجاهز؛ المنقذ يظهر، وبعد إنهاك الرأي العام يظهر الحل، سريعًا، حاسمًا، ومركزيًا، وغالبًا قسريًا، ويُقدَّم على أنه: «لم يكن خيارنا المفضل، لكن الظروف أجبرتنا»، هنا تمرر القرارات، أو تحدث تدخلات أمنية بدلًا من الحلول العلمية، والحل بهذه الطريقة لا يُقاس بمدى عدالته، بل بقدرته على إخماد الأزمة.
الحلول المصنوعة بهذه الطريقة غالبًا ما تحقق مصلحة للبعض؛ تصدير الكلاب، أو استثمار دمائها، أو حل سريع بلا تكلفة فكرية أو مؤسسية، المهم ألّا يسأل أحد: لماذا وصلنا إلى هنا أصلًا؟
الأزمة الحقيقية ليست ما يحدث، بل الطريقة التي يُعاد بها تعريف ما يحدث؛ فحين تُصنع الأزمة، ثم يتقدم المنقذ، تتحول الأزمة من فشل يجب محاسبة المتسبب فيه إلى فرصة يجب شكره عليها، إن أخطر ما في الأزمات المصنوعة أنها تُقنع الناس بأنه لا بديل ممكن غير ما حدث.
ما حدث في أزمة كلاب الشوارع أن الحل الجاهز والتدخل القسري كانا السيناريو المفضل؛ فبعد إنهاك الرأي العام، ظهر الحل: تجميع الكلاب، نقلها إلى أطراف المدن، مع غموض حول المصير. لم يقدّم أي مسؤول جدولًا زمنيًا، أو أرقامًا شفافة، أو إشرافًا مستقلًا، أو ضمانات أخلاقية، بل قُدّم خطاب واحد: «الوضع لا يحتمل حلولًا مثالية». وهنا يُمرَّر ما كان مرفوضًا سابقًا؛ فالتوجس من أن يكون الأمر إما القتل الجماعي، كما حدث من قبل مع الخنازير، أو التصدير للذبح في دول تأكل لحم الكلاب، أو الاستغلال البيولوجي: الدم، التجارب، وحتى شائعة تصدير دم الكلاب لم تنتشر عبثًا، بل لأن الغموض يخلق تصورات سيئة.
وحتى لو لم تثبت كل السيناريوهات، فإن طريقة الإدارة تسعى إلى التخلص من عبء طويل الأمد بحل سريع، وإنهاء ملف مزمن دون بناء منظومة إصلاح حقيقية؛ لا تدريب، ولا التزام طويل الأمد، ولأن المسألة تمس حقوق الحيوان، وهو ملف دولي، فإن الحكومة تحرص على الحفاظ على صورة الدولة المرتبطة بالاتفاقيات البيئية المتصلة بهذا الأمر، خاصة أنه في حال تسرب معلومات أو صور إلى الخارج، قد يتحول الملف من شأن محلي إلى مسألة سياسية.
إن الأزمة ليست أزمة الكلاب، إنما أزمة إدارة الضعفاء من الكائنات التي وُلدت وتعيش بيننا ومعنا، فحين تُدار المشكلة في البداية بالترك فتتحول إلى أزمة، ثم تُحل بالقوة، فإن الرسالة الضمنية هي: من لا صوت له، لا حق له. والكلاب لا صوت لها، ولا تستطيع الشكوى.

















