لم يكن توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران مجرد حدث سياسي ينهي أشهرًا من التوترات العسكرية في منطقة الخليج، بل تحول إلى عامل رئيسي أعاد رسم خريطة تحركات الأسواق العالمية خلال ساعات قليلة. فقد سارعت المؤسسات المالية وصناديق الاستثمار إلى إعادة تسعير المخاطر الجيوسياسية، ما انعكس بصورة مباشرة على أسواق النفط والذهب والأسهم والسندات والعملات.
النفط يتخلى عن علاوة المخاطر
جاءت أسواق النفط في مقدمة المتأثرين بالاتفاق، حيث شهدت الأسعار موجة هبوط قوية مع تراجع المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة العالمية وعودة الحديث عن تدفقات نفطية إيرانية أكبر إلى الأسواق.
وتراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3.4% ليصل إلى 74.18 دولارًا للبرميل، فيما هبط خام برنت بنسبة 3.02% مسجلًا 77.15 دولارًا للبرميل، في أكبر انخفاض يومي منذ أسابيع.
ويرى محللون أن الأسواق سارعت إلى خصم جزء كبير من “علاوة المخاطر الجيوسياسية” التي أضيفت إلى الأسعار خلال فترة التوتر، خاصة بعد تضمين الاتفاق بنودًا تتعلق بإعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة النفطية، وهو ما عزز توقعات استقرار الإمدادات العالمية خلال الفترة المقبلة.
انخفاض النفط يخفف مخاوف التضخم
أدى التراجع الحاد في أسعار النفط إلى تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم العالمي، باعتبار الطاقة أحد أهم مكونات تكلفة الإنتاج والنقل.
وراهن المستثمرون على أن استقرار أسعار النفط قد يحد من الضغوط التضخمية خلال الأشهر المقبلة، الأمر الذي انعكس على مختلف فئات الأصول المالية وأعاد بعض الثقة إلى الأسواق العالمية.
الأسهم الآسيوية تقود موجة الصعود
استقبلت البورصات الآسيوية الاتفاق بارتياح واضح، مدعومة بتراجع أسعار الطاقة وتحسن توقعات النمو الاقتصادي العالمي.
وكانت كوريا الجنوبية أبرز المستفيدين، حيث قفز مؤشر “كوسبي” بأكثر من 2% متجاوزًا مستوى 9063 نقطة للمرة الأولى في تاريخه، مدفوعًا بمكاسب قوية لأسهم التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وارتفع سهم شركة Samsung Electronics بنسبة 4.62%، بينما صعد سهم SK Hynix بنسبة 6.51%، وسط تفاؤل المستثمرين باستمرار الزخم القوي في قطاع الذكاء الاصطناعي.
الذهب بين تراجع المخاطر وتشدد الفيدرالي
شهد الذهب أداءً متباينًا عقب الإعلان عن الاتفاق، إذ تعرض لضغوط نتيجة تراجع الطلب على الملاذات الآمنة، لكنه وجد دعمًا من استمرار حالة عدم اليقين بشأن السياسة النقدية الأمريكية.
وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 1% ليصل إلى 4298.48 دولارًا للأوقية، بينما تراجعت العقود الآجلة الأمريكية بنسبة 1.4% إلى 4318.10 دولارًا للأوقية.
ويعكس هذا الأداء حالة من التوازن بين عاملين متعارضين؛ الأول انخفاض المخاطر الجيوسياسية الذي يقلل جاذبية الذهب، والثاني استمرار التوقعات بإبقاء السياسة النقدية الأمريكية في مسار متشدد نسبيًا.
وول ستريت تتفاعل بحذر
على الرغم من تحسن المزاج الاستثماري عالميًا، فإن رد فعل الأسواق الأمريكية جاء أكثر تحفظًا، في ظل استمرار تركيز المستثمرين على توجهات السياسة النقدية بعد قرار الاحتياطي الفيدرالي تثبيت أسعار الفائدة.
وارتفعت العقود الآجلة لمؤشر S&P 500 بنسبة 0.7%، بينما صعدت عقود ناسداك بنسبة 1.1%، مستفيدة من تراجع أسعار الطاقة وتحسن شهية المخاطرة.
لكن الأسواق ما زالت تراقب عن كثب تصريحات مسؤولي الفيدرالي بشأن مستقبل أسعار الفائدة، وهو ما حدّ من المكاسب المحتملة للأسهم الأمريكية.
السندات تعكس توقعات أقل تشددًا
في سوق السندات، تراجعت عوائد سندات الخزانة الأمريكية مع اتجاه المستثمرين إلى إعادة تقييم مسار السياسة النقدية.
وانخفض عائد السندات الأمريكية لأجل 10 سنوات إلى 4.45%، فيما تراجع عائد السندات لأجل عامين إلى 4.16%، في إشارة إلى أن الأسواق بدأت تراهن على تراجع الضغوط التضخمية نتيجة انخفاض أسعار الطاقة.
الدولار يحتفظ بقوته
في سوق العملات، حافظ الدولار الأمريكي على مكاسبه ليستقر قرب أعلى مستوياته في أكثر من شهرين، مدعومًا بتوقعات استمرار الفيدرالي في الإبقاء على سياسة نقدية متشددة نسبيًا.
في المقابل، تراجع الين الياباني إلى أدنى مستوياته منذ منتصف عام 2024 أمام الدولار، بينما استفادت العملات المرتبطة بالمخاطر، مثل الدولارين الأسترالي والنيوزيلندي، من تحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول عالية العائد.
إعادة تسعير شاملة للمخاطر
تكشف تحركات الأسواق عقب الاتفاق الأمريكي الإيراني أن المستثمرين تعاملوا معه باعتباره نقطة تحول مؤثرة في المشهد الاقتصادي العالمي، حيث تراجعت المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة، وانخفضت توقعات التضخم، وتحسنت شهية المخاطرة في أسواق الأسهم.
ومع ذلك، تبقى استدامة هذه التحركات مرهونة بمدى التزام الأطراف ببنود الاتفاق، وكذلك بمسار السياسة النقدية الأمريكية خلال النصف الثاني من العام، ما يعني أن الأسواق لا تزال توازن بين التفاؤل الجيوسياسي والحذر الاقتصادي.




















