في الوقت الذي يتغير فيه شكل الأسرة المصرية، وتتسع فيه مساحة الحديث عن الاستقلال والخصوصية، بدأ سؤال يستحق التوقف أمامه: هل أصبحت دار رعاية المسنين هي الحل الطبيعي عندما يتقدم الأب أو الأم في العمر؟
السؤال هنا ليس رفضًا لدور الرعاية، ولا إنكارًا للدور الذي تؤديه في بعض الحالات الصحية والاجتماعية التي تحتاج إلى رعاية متخصصة، وإنما هو تساؤل عن مكان الأسرة في هذه المرحلة، وعن فكرة قد تتسلل بهدوء إلى حياتنا: أن كبير السن أصبح عبئًا يمكن أن تنتقل مسؤوليته إلى مؤسسة متخصصة.
وهنا أتوقف أمام كلمة واحدة في القرآن الكريم: «عندك».
يقول الله تعالى:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾.
«عندك» تحمل معنى القرب والرعاية والانتماء؛ أن يظل الوالدان جزءًا من دائرة حياتنا، لا مجرد مسؤولية ننقلها بعيدًا عنا، ما دام وجودهما معنا ممكنًا وآمنًا ويحفظ كرامتهما.
ولم تكن الأسرة المصرية قديمًا تعرف هذه المسافات نفسها بين الأجيال. كانت البيوت، حتى البسيطة منها، تتسع للجد والجدة والحماة وأبناء الأسرة في بيت واحد. لم يكن وجود الكبير في المنزل أمرًا استثنائيًا، بل كان جزءًا طبيعيًا من تكوين البيت المصري؛ يعيش الجميع تحت سقف واحد، يتقاسمون الأيام، وتنتقل الخبرات والحكايات والقيم من جيل إلى جيل.
أما اليوم، فقد تغير شكل الحياة، وصغرت مساحات السكن، وزادت ضغوط العمل، وأصبح مفهوم الخصوصية والاستقلال أكثر حضورًا. وكل ذلك واقع يجب الاعتراف به. لكن المهم ألا يتحول تغير شكل البيت إلى تغير في معنى الأسرة نفسها.
وعلى مدار سنوات من العمل التطوعي في الجمعيات الخيرية، كانت زياراتي لدور المسنين من أكثر التجارب التي تركت أثرًا في نفسي. لم يكن ما يؤلمني هو احتياج هؤلاء الكبار إلى الطعام أو الدواء، بقدر ما كان يؤلمني احتياجهم إلى شيء لا تستطيع أي مؤسسة أن تقدمه بالطريقة نفسها: الاهتمام، والونس، والشعور بأنهم ما زالوا في قلب حياة أبنائهم.
أتذكر الحاجة ثريا، التي كنت أجلس معها فتحدثني طويلًا عن أبنائها، عن اشتياقها إليهم، وعن أشياء صغيرة كانت تتمنى أن تحدث فقط لأنها تعيد إليها إحساسها بأنها ما زالت أمًا لها بيت وأبناء ينتظرونها.
ورغم ما كان في حديثها من ألم، كانت تنتهي دائمًا بالدعاء لهم.
وفي إحدى الزيارات، طلبت الحاجة ثريا. ظننت للحظة أن أحد أبنائها ربما جاء ليأخذها إلى بيته. لكنني علمت أنها رحلت عن الدنيا.
رحلت، وبقي السؤال في داخلي: ماذا كان يمكن أن يعني لها اتصال هاتفي؟ زيارة قصيرة؟ جلسة إلى جوارها؟ كلمة تقول لها: «وحشتيني»؟
الحقيقة أن كبار السن لا يحتاجون دائمًا إلى الكثير. أحيانًا يحتاجون فقط إلى أن يشعروا أنهم لم يصبحوا هامشًا في حياة أبنائهم.
لقد تغيرت الحياة، وهناك آباء وأمهات يحتاجون بالفعل إلى رعاية طبية أو تمريضية متخصصة، وقد تكون دور الرعاية في بعض الحالات حلًا ضروريًا ومحترمًا. لكن الرعاية المتخصصة لا ينبغي أن تعني غياب الأسرة.
فالجد والجدة ليسا مجرد شخصين يحتاجان إلى من يخدمهما؛ وجودهما في البيت قد يكون مصدرًا للدفء والبركة، ومدرسة يتعلم فيها الأبناء معنى الرحمة والانتماء.
والأطفال لا يتعلمون القيم مما نقوله لهم فقط، بل مما يرونه منا. حين يروننا نرعى آباءنا، ونسأل عنهم، ونمنحهم وقتنا، فإننا نترك في داخلهم درسًا قد يعود إلينا يومًا.
لذلك، قبل أن نسأل: «أين نضع أبي أو أمي؟»، ربما يكون الأجدر أن نسأل: كيف نوفر لهما حياة كريمة، آمنة، مليئة بالقرب والاهتمام؟.
فدار الرعاية قد تكون ضرورة في بعض الظروف، لكنها لا ينبغي أن تصبح الحل الأسهل لمجرد أن الحياة أصبحت أكثر ازدحامًا.
وفي النهاية، يظل قول الله تعالى: «إمّا يبلغن عندك الكبر» تذكيرًا عميقًا بأن البيت الذي احتضن طفولتنا، يستحق أن نبحث فيه عن مكان لشيخوخة من احتضنونا.
فما نكتبه اليوم في حياة آبائنا وأمهاتنا، قد يكون فصلًا من الكتاب الذي سيقرأه أبناؤنا غدًا في حياتنا.


















