تقرير- شهد أحمد الزاجلاوي
في بيان حذر ويفتح الباب أمام تساؤولات عديدة، أعلن البنتاغون رسمياً عن مقتل الرقيب الأمريكي مايكل إيمانويل سوينتون في قاعدة أربيل الجوية بشمال العراق، مشيراً إلى أن وفاته جاءت خلال ما وُصف بـ “عملية تفجير خاضعة للسيطرة” لحطام طائرة مسيّرة إيرانية.
ورغم صياغة البيان العسكري التي تؤكد أن تدخل الرقيب وردة فعله كانت تهدف إلى “حماية زملائه الجنود”، فإن هنالك تناقض الواضح بين الرواية الرسمية وتحليل ضربة المسيرة هندسياً وتقنياً إذ يُفترض تُدار عملية التصدي للمسيرة وفق مسافات أمان وبروتوكولات إبعاد صارمة تضع علامة استفهام أمام حصيلة الخسائر البشرية وهي مقتل جندي وإصابة آخر.

هذه المفارقة تطرح تساؤلات جادة حول الملابسات الحقيقية التي استدعت إبقاء الحادثة قيد التحقيق الرسمي؛ وهي ثغرة تُلمح بطريقة غير مباشرة إلى أن العملية ربما واجهت متغيّراً مريباً أو تكتيكاً غير متوقع في مسرح العمليات تجاوز حدود السيطرة المفترضة.
فرضية «المصيدة المزدوجة»
وهنا تبرز فرضية مسيرات “الانفجار المزدوج”، هي المسيرات تعتمد على منظومة تفجير مركبة تحتوي على صاعقين يعملان بآليتين مستقلتين؛ يُخصص الصاعق الأول للاندلاع المباشر لحظة الارتطام بالهدف، بينما يعمل الصاعق الثاني كمصيدة تنشط فقط في حال فشل الانفجار الأول وسقوط الذخيرة.
وبهذا يتحول الهجوم الفاشل إلى ضربة موجهة خصيصاً لشل الكوادر الفنية عالية القيمة وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوف فرق التعامل الميداني، وهذا بنسبة كبيرة ما حدث مع الرقيب إيمانويل سوينتون في قاعدة أربيل بالعراق وهو قيد التحقيق في البنتاغون، فهل تواجه الولايات المتحدة تحدي وتكتيكي عسكري جديد من نوعه يُربك تفوقها التقليدي في ميدان الحرب؟
سوابق موثقة في الإقليم
لا يبدو سيناريو «الانفجار المزدوج» في حادثة أربيل جديداً على الساحة العسكرية في الإقليم؛ إذ تكشف وثائق وتقارير لجنة الخبراء التابعة للأمم المتحدة ومنظمة (CAR)وهي مؤسسة أبحاث تسليح النزاعات عن تاريخ ممتد لاستخدام هذا التكتيك وهذا النوع من المسيرات في مسارح عمليات المنطقة تحديداً من قبل ميليشيا أنصار الله الحوثي.
نتائج تحقيقات وفرضية تسبب حرج كبير البنتاغون ؟
فتقنية رخيصة زاهدة تُحول حطام مسيّرة تم اعتراضها بالفعل إلى كمين يُستهدف فيه المشغّل للمنظومة الدفاعية ويُربك قاعدة عسكرية بأكملها، بعيداً عن الحسابات العسكرية، تعكس هذه الواقعة معادلة مالية صادمة، قطعة إلكترونية صغيرة لا يتجاوز ثمنها 50 أو 100 دولار تُباع في الأسواق العامة، كفيلة بتحييد جندي يجلس على جهاز رادار أو منظومة دفاع جوي، استثمر الجيش الأمريكي مئات الآلاف من الدولارات لتدريبه وتأهيله لإدارة أجهزة بمليارات الدولارات.
تفرض هذه الواقعة متغيّراً استراتيجياً يمتد إلى ما هو أبعد من أربيل؛ حيث تُظهر أثار حادثة أربيل أن إسقاط المسيرات عبر منظومات التشويش الإلكتروني أصبح يخلّف حطاماً سليماً يُشكل لغم مؤقت.
حيث قد يجبر الحادث القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) على إعادة صياغة ردات الفعل الميدانية وتغيير بروتوكولات الأمان؛ عبر التخلي التدريجي عن التعامل البشري المباشر مع الحطام، والاعتماد الكلي على روبوتات الإبطال الذاتية، أو الاستهداف الموقعي عن بُعد عبر أسلحة الطاقة الموجهة والليزريات، لإعادة تعريف “المنطقة الآمنة” داخل القواعد العسكرية بالشرق الأوسط.
بين إسقاط المسيرة في الجو والخشية من التعامل مع حطامها على الأرض، يقف البنتاغون أمام معضلة تُعيد تشكيل مفهوم السلامة الميدانية و مسافة الأمان في المعركة العسكرية الحديثة، ومع تحول كل هيكل ساقط إلى لغم مؤقت يلتف على أحدث بروتوكولات الأمان، يبرز السؤال الأهم هل تملك الجيوش التقليدية المرونة الكافية للتكيف السريع مع هذه التكتيكات، أم أن القواعد الأمريكية ستظل تدفع ثمناً باهظاً لمواجهة أسلحة يكمن خطرها الأكبر في ظن الجميع أنها رخيصة يمكن التعامل معها.





















