قال المحامي خالد علي، إنه في ليلة إصدار الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، لبيانه لم يتمكن من النوم، ورأى أن البيان كُتب تحت ضغط حملة شرسة شارك فيها أغنى وأشهر رجل في العالم “إيلون ماسك”، إضافة إلى قادة أحزاب وبرلمانيين وصحفيين ومؤثرين متنوعين في بريطانيا.
وأضاف علي خلال منشور له عبر حسابه على فيسبوك أن علاء وأسرته حاولوا العمل سريعًا على تطويق تلك الحملة، فكان البيان الذي أصدره علاء، مضيفا: “تابعت بعد ذلك ردود الأفعال عليه في مصر، فقررت التريث قليلًا في التعليق على كل تلك الأحداث لسببين الأول أنني مختلف سياسيًا مع فقرات في هذا البيان، والثاني لأنني محامي علاء ولا أحب أن يستغل البعض هذا الاختلاف ضده”.
وتابع أنه خلال الساعات الماضية تابع عددًا كبيرًا من الصفحات وردود الأفعال، موضحًا أن بعضها كان نقدًا سياسيًا لاذعًا يستحق المتابعة والتعليق، بينما كان بعضها الآخر لا يستحق حتى قراءته.
وأكد: “أنا لست محامي علاء فقط، بل اعتبره شقيقي الأصغر، وسأظل محاميه هو وأسرته حتى آخر يوم في عمري، ما دام هو وأسرته يرغبون في ذلك”.
وقال علي إنه يستطيع الآن أن يكتب رأيه بعد أن أدلى الكثيرون بآرائهم، موضحًا أنه لا يكتب باعتباره محاميًا لعلاء، وإنما يقدم تحليله ورؤيته لتلك الأحداث باعتباره يعرف علاء منذ تسعينيات القرن الماضي، وقد رآه وهو يتشكل في مراحل مختلفة من عمره، سواء كان خارج السجن أو داخله، وكان قريبًا من انتصاراته وانكساراته، ومن شجاعته وخوفه، ومن حكمته ورعونته.
وأكمل أن علاء اختبر معنى الفقد والاشتياق في أقسى صورهما، معتبرًا أن تجربته الآن – من وجهة نظره – تتلخص في تلك المسافة المؤلمة بين جدران الزنزانة وحياة ابنه “خالد”.
وأوضح علي أن علاء كان يرقب ابنه من خلال ثقوب الزيارات المحدودة أو عبر رسائل يكتبها بمداد الصبر، مشيرًا إلى أن من ذاق مرارة الأبوة من وراء الحواجز يعلم أنها مؤلمة وغير تقليدية، وكانت “أبوة بالمراسلة” و”أبوة بالخيال”.
ولفت إلى أن كتابات علاء أظهرت حرصه الشديد على أن يكون حاضرًا في حياة ابنه رغم الغياب الجسدي، حيث كان يحاول شرح العالم له ويواسيه ويبحث في تفاصيل نموه عن معنى للحياة، وهو ما يعكس ـ بحسب قوله ـ رقة نادرة في شخصية توصف دائمًا بالصلابة والتمرد.
وأكد أن علاء لم يكن يخجل من إظهار ضعفه أو تعبه أو خوفه من أن ينساه العالم خلف جدران السجن، معتبرًا أن هذه الشفافية الإنسانية منحته مصداقية كبرى، وأنه لم يدع البطولة كما يزعم البعض، بل قدم نفسه كإنسان طبيعي يحب الموسيقى ويهتم بالألعاب الإلكترونية ويشتاق لبيته ويطمح لأبسط حقوق البشر أن يكون حرًا ليحيا حياة عادية.
وتابع أن الجميع انشغل بمحاكمة علاء كسياسي أو ناشط أو مدون أو رمز أو متمرد، بينما غاب عنهم “الإنسان” الذي قرر أن الأولوية الآن ليست لدرع المحارب، بل لثوب الأب.
وأشار علي إلى أن خلف كل حرف كتبه علاء في بيانه الأخير يختبئ وجه ابنه خالد، موضحًا أن خالد وُلد بطيف من أطياف التوحد، وأن غياب والده عنه لم يكن غيابًا أبويًا عاديًا، بل فجوة زمنية زادت من تعقيد أزمته وحرمته من سند كان كفيلًا بتغيير مسار تطوره، فمن يلوم علاء على بحثه عن الأمان عليه أولًا أن يسأل نفسه ما هو ثمن حضن طفل يحتاجك ليفهم العالم؟
ولفت إلى أن علاء دفع من عمره اثني عشر عامًا في السجون، وعندما خرج وجد نفسه أمام معركة لم يعد فيها “لمبدأ المجرد” هو الرهان الوحيد، بل صار الرهان الملح هو “مستقبل طفل” لا ذنب له في صراعات الكبار، معتبرًا أن انتصار علاء لبيته وابنه اليوم ليس سقطة، بل واحدًا من أسمى أنواع النضال الإنساني.
وقال علي إنه سبق أن ذكر أنه قرأ نقدًا سياسيًا لاذعًا استحق المتابعة والتعليق وشكر أصحابه على لغتهم النقدية، موضحًا أنه بين لهم نقاط خلافه معهم.
وأضاف أن علاء لم ولن يكون فوق النقد، وقد تعرض بالفعل لكل أشكال النقد، المباح منها وغير المباح، وهو حر وهو سجين، وعلى قبر والده مكبلًا بالأغلال، وفي سجنه وهو يتابع إضراب والدته عن الطعام أو يشاركها الإضراب، وفي منفاه الاختياري، مضيفا أن البعض قد يختلف مع علاء أو مع خطاباته أو جزء منها، وقد يرى في راديكاليته شططًا، لكن تحويله إلى “شيطان رجيم” يعد ـ من وجهة نظره ـ نوعًا من التزييف والخداع.
وأكد أن علاء خضع للمساءلة بالفعل، حيث دفع سنوات من عمره تجاوزت اثني عشر عامًا في سجون شتى ورقابة شرطية ومنع من السفر ووضع على قوائم الإرهابيين، وتعرض خلالها للسجن الانفرادي والتعذيب والضرب والمعاملة القاسية، مضيفا أن أي سجين قضى اثني عشر عامًا في السجن يحتاج إلى فترة لاستيعاب التغيرات التي شهدها العالم حتى يتمكن من مخاطبته من جديد.
وأكمل أن السجن يترك آثاره على كل السجناء ويكون فرصة للنقد الذاتي وتقييم التجربة، وهو ما قد يغير بشكل جوهري شخصية السجين وخطابه وخياراته وانحيازاته عند خروجه، مضيفا أن علاء تم القبض عليه في بدايات 2014، وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات، وخرج في منتصف 2019 شخصًا آخر، ووجه نقدًا ذاتيًا لنفسه وكتب عدة مقالات ومداخلات على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن الرجوع إليها.
وأضاف أنه عندما أُلقي القبض عليه مجددًا في أواخر سبتمبر 2019، ورد في أقواله في تحقيقات النيابة عدة رسائل تتضمن نقدًا ذاتيًا عميقًا، لكن الدولة المصرية إما لم تصلها تلك الرسائل أو التفتت عنها ولم تُعرها اهتمامًا، معربًا عن تمنّيه مراجعتها من جديد.
وأوضح علي أنه قرأ أيضًا هجومًا على علاء لا يستحق القراءة، موجهًا حديثه إلى من يعارضونه بسوء نية ويحملونه فشل الثورة ويتهمونه بالخيانة والعمالة ويحاولون إزاحته من المشهد، وموضحا أن هؤلاء لم يكونوا بحاجة لانتظار صدور بيان علاء لمهاجمته، فقد هاجموه مرارًا طوال السنوات الماضية، يوم رفع اسمه من قوائم الإرهابيين وقبل إطلاق سراحه، ويوم صدور قرار العفو عنه، ويوم رفع اسمه من قوائم المنع من السفر، ويوم سفره إلى لندن، ويوم بدأت الحملة ضده هناك قبل إصدار بيانه، ثم وجدوا في بيانه الأخير فرصة جديدة للانقضاض عليه.
وأضاف أن الذين يريدون صلبه في لندن أو ترحيله بعيدًا عنها أو إسقاط صراعاتهم السياسية عليه يشتركون في “انعدام الخيال الإنساني”، موضحًا أنهم يريدون منه أن يظل “صنمًا” لا يتألم ولا يخاف ولا يضعف، ويطالبونه بصلابة وهمية لم يقدموا هم عُشر ثمنها، مضيفا أن علاء لم يبع قضية، بل اشترى أبًا لخالد، وهو ثمن بخس أمام اثني عشر عامًا من التنكيل الممنهج الذي دفع ثمنه هو وابنه وأسرته.
وتابع أن ما قدمه علاء عبد الفتاح من نضال وتضحيات سيظل محفورًا في ذاكرة جيل كامل، باعتباره أحد أنقى وأشرس من واجهوا القمع، موضحًا أنه إذا كان بيانه الأخير قد جرح طهرانية البعض، فإن ذلك يجب أن يكون درسًا في أن “الأبطال بشر” يضعفون أمام دمعة طفل وينحنون أمام عاصفة المنفى لحماية صغارهم، مضيفا أن إنصاف علاء لا يكون بتقديس مواقفه السياسية، بل بتفهم “أبويته” الجريحة، معتبرًا أن علاء خسر الكثير ومن حقه اليوم أن يربح ابنه.
واختتم علي بالتأكيد على أن علاء سيظل حالة إنسانية وقانونية قبل أن يكون حالة سياسية، موضحًا أن إنصافه لا يعني بالضرورة الاتفاق معه، بل القدرة على فصل “النقد السياسي” عن “التشفي الإنساني”.



















