أكد المحامي خالد علي أن المشكلة لا تقتصر على منتجع أو اثنين، وإنما تمتد على أكثر من 300 كيلومتر من السواحل الشمالية، من العجمي إلى مرسى مطروح، معتبرًا أن البحر جرى “مصادرته” عبر الأسوار والبوابات والحواجز والشواطئ الخاصة، بينما يبحث ملايين المصريين -دون جدوى- عن شواطىء عامة طوال هذا الساحل يطلون منها على البحر الذى يفترض أنه ملكهم قبل أن يكون ملك المستثمرين
وقال علي خلال منشور له، إن البحر ليس عقارًا قابلًا للاحتكار، بل هو مورد عام، والشاطئ حق أصيل للمواطنين، مشددًا على أن الدولة ليست مالكة له وإنما أمينة عليه، وأن تحويل هذا الحق إلى سلعة لا يمثل تنمية، وإنما خصخصة لحق طبيعي لا يجوز مصادرته.
علي يطرح عدد من التساؤلات
وأضاف أن إعلان مدينة العلمين عاصمة صيفية جديدة للحكم يثير تساؤلات حول نصيب المواطنين فيها، متسائلًا: “كم شاطئًا عامًا أُنشئ ليستمتع به أبناء الجمهورية الجديدة؟ وهل يستطيع الموظف أو العامل أو المدرس أن يقضي يومًا على شاطئ عاصمته الصيفية؟”، معتبرًا أنه إذا كانت العاصمة الجديدة لا تتسع إلا للقادرين، فهي ليست عاصمة للجميع، بل منتجع للأغنياء تديره الدولة.
وأكمل: “المؤلم أنه عبر عقود خرجت أجزاء واسعة من الأراضى الساحلية من الملكية العامة بأسعار لا تعكس قيمتها الحقيقية وعبر اجراءات تلفزيونيه ساذجة وباتفاقات عبثية ومخجلة بين مستثمرين مصريين وعرب فأرض (مراسى) مثلاً على البحر المتوسط تم بيع المتر فيها بحوالى ١٦٣ جنيه، وأرض الجونة على البحر الأحمر تم بيع المتر فيها بدولار واحد (خمس ملايين متر بخمس ملايين دولار، وتم دفعهم بعد ثورة يناير)”.
وتابع: “والأراضى الأخرى بيعت فى ظروف لا تزال تثير كثيراً من علامات الاستفهام بشأن مساحات التخصيص والسعر وشروط التعاقد، ثم ارتفعت قيمتها عشرات ومئات المرات بعد أن أنفقت الدولة مليارات الجنيهات على الطرق والمرافق والكهرباء والمياه والاتصالات والإنترنت. وبعبارة أخرى، دفع المجتمع كله تكلفة زيادة قيمة تلك الأراضى، بينما ذهبت الثمار إلى عدد محدود من الملاك”.
علي: لا نعادي الاستثمار.. لكن نرفض احتكار البحر
وشدد علي على أنه لا يعادي الاستثمار ولا يدعو إلى ذلك، مؤكدًا أن مصر تحتاج إلى الاستثمار والمنتجعات والفنادق ورؤوس الأموال، لكن الاستثمار يختلف عن احتكار الأرض والشاطئ والبحر، موضحًا أن من حق المستثمر أن يبني فندقًا ويحقق أرباحًا ويقدم خدمة راقية، لكن ليس من حقه أن يغلق البحر في وجه المواطنين أو يحول الشاطئ إلى مساحة خاصة.
واستعرض نماذج من دول أخرى، موضحًا أن شواطئ كوباكابانا وإيبانيما في البرازيل مفتوحة للجميع رغم أنها من أغلى المناطق العقارية في العالم، كما أن القوانين في إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا واليونان تضمن وصول المواطنين إلى الشواطئ عبر طرق عامة، لأن البحر، بحسب تعبيره، “ليس امتيازًا طبقيًا بل حق مدني للجميع”.
وأضاف أن فيتنام تقدم نموذجًا أكثر توازنًا، إذ لا تُباع الأراضي في المشروعات السياحية والساحلية والصناعية والزراعية، وإنما تُمنح بحقوق انتفاع متفاوتة المدة، مع احتفاظ الدولة بملكية الأرض وسلطتها في إلغاء التعاقد إذا أخل المستثمر بالتزاماته، وفى المقابل تحمى الدولة المستثمر من الفساد وتكفل له منصة قضائية عادلة لحماية حقوقه حتى فى مواجهتها، بهذه الصيغة يطمئن المستثمر، وتتحقق التنمية المستدامة لأن المجتمع لا يفقد سيادته على موارده.
وقال علي إن هذا هو الفارق بين دولة تعتبر الأرض سلعة تُباع إلى الأبد، ودولة تعتبرها أصلاً وطنياً يُستثمر دون أن يخرج من ملكية الشعب.
علي: مصر قادرة على تحقيق التوازن بين الاستثمار والحق العام
وأكد أن مصر ليست أقل من البرازيل، ولا أفقر من فيتنام فى قدرتها على ابتكار نموذج عادل، ويمكن منح المستثمر حقوق الانتفاع قصيرة أو متوسطة أو طويلة الأجل، مع ضمان أرباحه، وفى الوقت نفسه إنشاء شواطئ عامة بمساحات وأعداد متوازنة على طول الشواطىء، قائلاً: “نعم.. علينا أن نسعى لجذب المستثمر لكن دون أن نطرد المواطن من وطنه”.
وأوضح أن التنمية التى تجعل الأغلبية تشاهد البحر من خلف الأسوار ليست تنمية، بل إعادة توزيع للجغرافيا لصالح القادرين. والدولة التى تسمح بأن يصبح البحر امتيازاً طبقياً، تخاطر بأن تفقد أحد أهم معانى العدالة الاجتماعية.
واختتم علي حديثه قائلاً: “البحر لا يحتاج إلى من يحرره من المستثمرين، بل إلى دولة تتذكر أن أول واجباتها ليست تعظيم قيمة العقار، وإنما حماية الحق العام، وتمكين أطفال هذا الوطن من الوصول إلى الشاطئ والتمتع بالبحر وملكهم العام دون أن تمنعهم الأبراج والأسوار والقدرة المالية لعائلاتهم”.




















