مع توجه الدولة نحو وضع إطار تشريعي متكامل لتنظيم السوق العقاري وإنشاء اتحاد للمطورين العقاريين، برزت تساؤلات حول المعايير التي ستحدد الفئات المختلفة للشركات العاملة في القطاع، ومدى كفاية الاعتماد على مساحة المشروع وسابقة الأعمال لتصنيف المطورين.
وتنص المسودة الأولية لمشروع القانون على تصنيف الشركات إلى فئتين، هما «المطور العقاري» و«من في حكم المطور العقاري»، وفقاً لمساحات المشروعات وسابقة الأعمال، وهو ما فتح الباب أمام نقاشات حول ضرورة مراعاة حجم الاستثمارات والملاءة المالية والخبرات الفنية، إلى جانب قدرة الشركات على تنفيذ المشروعات والوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء.
وفي هذا السياق، تباينت آراء عدد من قيادات وخبراء القطاع العقاري حول آليات التصنيف، بين من يرى أن المساحة تمثل نقطة انطلاق مناسبة لتنظيم السوق، ومن يؤكد ضرورة وضع معايير أكثر شمولاً تقيس كفاءة الشركات وتضمن حماية المتعاملين معها، مع إتاحة الفرصة أمام الشركات الجديدة والصغيرة للنمو والتدرج.
فتح الله فوزي: حجم الاستثمارات أهم من مساحة الأرض وحدها
قال المهندس فتح الله فوزي، نائب رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين ورئيس لجنة التطوير العقاري والمقاولات بالجمعية، إنه لا يقتنع بالاعتماد على مساحة الأرض وحدها لتصنيف المطورين العقاريين، مؤكداً أن حجم استثمارات المشروع يجب أن يكون معياراً أساسياً في تحديد فئة المطور.
وأوضح فوزى، أن هناك مشروعات تجارية وإدارية وفندقية تُقام على مساحات صغيرة، لكنها قد تتطلب استثمارات تتجاوز تكلفة مشروعات سكنية أكبر مساحة، مشيراً إلى أن مشروعاً فندقياً على مساحة 10 آلاف متر قد تتجاوز استثماراته مشروعاً سكنياً على 5 أفدنة.
وأضاف فتح الله، أن التصنيف يجب أن يراعي أيضاً سابقة الأعمال، إلى جانب حجم الاستثمارات، حتى يعكس بصورة أكثر دقة طبيعة النشاط وحجم المشروعات التي تنفذها الشركات.
وفيما يتعلق بحسابات الضمان، أكد فوزي، ضرورة تخصيص حساب مستقل لكل مشروع، وليس لكل مطور، موضحاً أن امتلاك الشركة عدة مشروعات يستلزم فصل الحسابات لمنع استخدام أموال مشروع في تمويل مشروع آخر.
باسم الشربيني: تصنيف الكفاءة يجب أن يتجاوز مساحة المشروع
قال باسم الشربيني، رئيس لجنة العاصمة الإدارية بجمعية المطورين العقاريين، إن تنظيم السوق العقاري وإنشاء اتحاد للمطورين يمثلان خطوة مهمة، لكن القيمة الحقيقية للتصنيف ستتحدد بمدى قدرته على قياس كفاءة الشركات وحماية المتعاملين معها.
وأوضح باسم، أن مساحة المشروع وطبيعة استخدامه يمكن أن تكونا مدخلاً لتحديد فئة النشاط وحجم متطلباته، لكنهما لا تكفيان وحدهما للحكم على قدرة الشركة، لافتاً إلى أن المساحة لا تعكس بالضرورة قيمة الاستثمارات أو تعقيد التنفيذ والتشغيل وحجم الالتزامات تجاه العملاء.
وأضاف الشربيني، أن مشروعاً تجارياً على مساحة أصغر قد يحتاج إلى قدرات تمويلية وتشغيلية أكثر تخصصاً من مشروع سكني أكبر مساحة، مشدداً على ضرورة التمييز بين تعريف النشاط وتصنيف كفاءة من يمارسه.
وأشار باسم، إلى أن تحديد الفئة التي يحق للمطور العمل ضمنها يجب أن يستند إلى الملاءة المالية الفعلية، وخبرة فريق العمل، وجودة المشروعات المنفذة، ومدى الالتزام بالتعاقدات، والقدرة على تمويل المشروعات الجديدة إلى جانب الالتزامات القائمة.
وأكد الشربيني، أن تصنيف «من في حكم المطور» لا ينبغي أن يُفهم باعتباره حكماً بانخفاض الكفاءة أو مبرراً لتقليل حماية المشترين، مشيراً إلى ضرورة الحفاظ على حد أساسي ملزم لجميع الشركات في الإفصاح وسلامة التعاقد وحماية أموال العملاء ووضوح مسؤوليات التسليم.
ولفت باسم، إلى أهمية وضع مسار واضح لتأهيل الشركات الجديدة التي تمتلك التمويل والخبرة المهنية، مع إتاحة التدرج في التصنيف ومراجعة الفئات والتظلم منها وفق معايير معلنة.
كما شدد الشربيني، على ضرورة تقييم الشركة وفقاً لمحفظة مشروعاتها بالكامل، وربط السماح بالتوسع بمؤشرات محدثة عن التنفيذ والسيولة والالتزامات، مع متابعة مستقلة تساعد على التدخل قبل تفاقم المشكلات.
محمد مطاوع: التصنيف يجب أن يقيس جودة التنفيذ والخدمات
أكد محمد مطاوع، رئيس مجلس إدارة شركة مطاوع جروب للتطوير العقاري، أن تنظيم السوق العقاري يمثل فرصة لتعزيز ثقة العملاء ودعم الشركات الجادة، من خلال منظومة تربط بين جودة التنفيذ والالتزام بالتسليم وكفاءة الخدمات بعد البيع.
وأوضح مطاوع، أن العميل حين يختار وحدته، فإنه يختار معها مكاناً للحياة أو أصلاً للاستثمار، مشيراً إلى أن جودة إدارة المشروع وتشغيله تظل عنصراً مؤثراً في قيمته بمرور السنوات.
وأضاف محمد، أن وضع معايير واضحة لتصنيف المطورين يجب أن يساعد العميل على التعرف إلى خبرة الشركة وقدرتها على تنفيذ مشروعاتها وإدارتها، على أن تشمل سابقة الأعمال والتسليمات، والقدرات المالية والفنية، ومستوى الإنجاز بالمشروعات القائمة.
وأشار مطاوع، إلى أهمية أن يعكس التصنيف الإمكانات المتكاملة التي تمتلكها الشركة لخدمة العميل، موضحاً أن وجود شركة مقاولات تابعة ذات خبرة يدعم جودة التنفيذ والالتزام بالبرامج الزمنية، بينما تسهم شركات الصيانة وإدارة المرافق في الحفاظ على كفاءة المباني والخدمات والمظهر العام للمشروع.
ولفت محمد، إلى أن إدارة المجتمعات السكنية وشركات الضيافة وإدارة الفنادق يمكن أن تضيف قيمة للمشروعات، من خلال تحسين جودة الحياة وتوفير خدمات التشغيل المتخصص وإدارة التأجير، بما يدعم العائد للعميل ويحافظ على قيمة العقار.
وشدد مطاوع، على أهمية تناسب حجم المشروعات مع قدرات الشركات، وتوافر خطط تمويل مدروسة، إلى جانب وضوح المعلومات والعقود المتوازنة، والتخطيط المبكر للصيانة والتشغيل، بما يضمن استمرار جودة الخدمات بعد التسليم.
هشام إبراهيم: وجود معيار أفضل من غياب المعايير
قال الدكتور هشام إبراهيم، المدير التنفيذي لشركة Winvestor Developments، إن أي معيار تشرف عليه الدولة لتنظيم السوق العقاري أفضل من غياب المعايير، لأنه يتيح قياس أداء الشركات وتحديد مدى التزامها بالاشتراطات المطلوبة.
وأوضح ابراهيم، أن معيار المساحة المقترح، سواء 5 أفدنة فأكثر للمطور العقاري أو مساحات أقل للشركات المصنفة «من في حكم المطور العقاري»، يمكن أن يتيح استيعاب شريحة واسعة من الشركات العاملة في السوق، بما فيها الشركات التي تنفذ مشروعات صغيرة في مناطق مثل التجمع الخامس وبيت الوطن.
وأضاف هشام، أن هذا التصنيف يتيح للشركات البدء ضمن فئات أقل، ثم التدرج إلى فئات أعلى كلما توسع نشاطها وزادت أعمالها، مؤكداً أهمية إتاحة الفرصة أمام الشركات الصغيرة للانضمام إلى مظلة اتحاد المطورين العقاريين.
وفيما يتعلق بالمعايير الإضافية، أشار إبراهيم، إلى ضرورة عدم الاعتماد على سابقة الأعمال وحدها، موضحاً أن الشركة يمكنها دخول أنشطة جديدة إذا أثبتت امتلاكها الكفاءات والخبرات اللازمة، حتى لو لم تكن لديها خبرة مباشرة في النشاط من قبل.
واقترح هشام، الاستعانة بمتخصصين في مجالات التطوير والتسويق والتشغيل والإدارة والتنفيذ والتصميم، مع تقديم ما يثبت كفاءة هذه الفرق ضمن ملف الشركة، لافتاً إلى إمكانية الاستفادة من الجمعيات المهنية والجهات المختصة في اعتماد الخبرات والكفاءات.
وأكد إبراهيم، أهمية تخصيص حساب مستقل لكل مشروع، بحيث تُستخدم أمواله في تمويل المشروع نفسه، مع ضرورة وجود رقابة فعالة على حسابات الضمان، وضمان عدم تعطيل صرف الأموال المستحقة، بما يحقق التوازن بين حماية العملاء واستمرار التنفيذ.
معايير التصنيف بين تنظيم السوق وحماية العملاء
تعكس آراء قيادات القطاع العقاري أهمية وضع منظومة تصنيف لا تقتصر على مساحة الأرض وسابقة الأعمال، بل تراعي كذلك حجم الاستثمارات والملاءة المالية والخبرات الفنية والإدارية، وجودة التنفيذ والالتزام بالتسليم.
كما تبرز أهمية إتاحة مسارات واضحة للشركات الصغيرة والجديدة للتدرج في التصنيف، مع ربط التوسع بقدراتها الفعلية، وضمان تطبيق قواعد موحدة لحماية العملاء والإفصاح عن المشروعات.
وتظل آليات تقييم المطورين ومراجعة تصنيفاتهم، إلى جانب الرقابة على أموال المشروعات، من أبرز الملفات التي ستحدد مدى قدرة الإطار التشريعي الجديد على تحقيق التوازن بين تنظيم السوق ودعم الشركات الجادة وحماية حقوق المتعاملين.
اقرا ايضا: محمد راشد : السوق العقاري الصحي يستند في الأساس لمستخدم نهائي أو مستثمر لديه رؤية طويلة الأجل






















