ثمة أشياء لا يؤلم تراجعها لأنها مجرد أشياء، وإنما يؤلمنا ما تمثله في وجداننا. وماسبيرو واحد من هذه الأشياء التي تجاوزت حدود المكان، وتحولت في ذاكرة المصريين إلى معنى، وإلى مدرسة، وإلى زمن كانت فيه الشاشة تحمل قدرًا من الهيبة، وكانت الكلمة تُقال بحساب، والصورة تُقدم بمسؤولية، والبرنامج يُصنع بعناية، والدراما تعرف أن الفن ليس مجرد تسلية، وإنما تأثير يبقى في الذاكرة.
ولهذا فإن الحديث عن الإعلام المصري اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد حديث عن قنوات تتنافس، أو منصات تتسابق، أو نسب مشاهدة ترتفع وتنخفض، وإنما يجب أن يكون حديثًا عن القيمة التي نريد أن تبقى في بيوتنا، وعن الصورة التي نريد أن نتركها في وجدان أبنائنا، وعن إعلام يستطيع أن يجمع بين حرية التعبير واحترام الذوق العام، وبين المنافسة والمسؤولية، وبين الجاذبية والارتقاء.
لقد تغيرت خريطة الإعلام، وتعددت الشاشات، واتسعت مساحة الاختيار أمام المشاهد، وأصبح المحتوى يصل إلى الناس من مصادر لا حصر لها، وهذا تطور طبيعي لا يمكن تجاهله أو مقاومته، لكن اتساع الخيارات لا يعني بالضرورة ارتفاع المستوى، وكثرة الشاشات لا تعني أن كل ما يعرض عليها جدير بالمشاهدة.
وهنا تبدو الحاجة إلى وقفة هادئة وصادقة أمام ما نشاهده في بعض الأحيان من تراجع في مستوى الخطاب، أو ابتعاد عن المعايير التي عرف بها الإعلام والفن المصريان لسنوات طويلة. ليس المقصود أن نرفض الجديد، ولا أن نحاكم الحاضر بمعايير الماضي، وإنما أن نسأل أنفسنا: هل كل ما يحقق مشاهدة يستحق أن يكون نموذجًا؟ وهل كل ما يثير الانتباه يضيف شيئًا إلى الناس؟
الإعلام ليس مجرد انعكاس للمجتمع، فهو أيضًا أحد الأدوات التي تسهم في تشكيل وعيه وذوقه. وما يتكرر أمام العين يصبح مألوفًا، وما يصبح مألوفًا قد يفقد مع الوقت قدرته على إثارة السؤال أو الرفض. ومن هنا تأتي مسؤولية الشاشة، لأنها لا تقدم صورًا وكلمات فحسب، وإنما تساهم بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشكيل ما يعتبره الناس طبيعيًا ومقبولًا.
ولذلك فإن حماية الذوق العام ليست دعوة إلى الوصاية على الجمهور، وليست رفضًا للتنوع أو الاختلاف، وإنما هي دعوة إلى أن تظل هناك معايير مهنية تحكم صناعة المحتوى، وأن تكون المنافسة بين الشاشات على جودة ما تقدمه، لا على مقدار الضجيج الذي تستطيع أن تصنعه.
وفي هذا السياق يعود ماسبيرو إلى المشهد باعتباره مؤسسة تمتلك رصيدًا هائلًا من الخبرة والكوادر والأرشيف، والأهم من ذلك كله، ذاكرة مهنية تستطيع أن تكون أساسًا لمرحلة جديدة. فعودة ماسبيرو التي نحتاجها ليست عودة إلى الوراء، وإنما عودة إلى الدور، وإلى الإنتاج، وإلى اكتشاف المواهب، وإلى صناعة البرامج والدراما، وإلى بناء مدرسة إعلامية تستفيد من خبرة الماضي وتستخدم أدوات المستقبل.
ماسبيرو لم يكن يومًا مجرد مبنى، وإنما كان مدرسة يتعلم فيها الإعلامي أن الكلمة مسؤولية، والمخرج أن الصورة رسالة، والمعد أن الفكرة الجيدة تحتاج إلى بحث، والفنان أن الدور لا يصنعه الحضور وحده، وإنما يصنعه النص والأداء والقدرة على لمس الناس.
ومن هنا فإن تطوير ماسبيرو لا ينبغي أن يتوقف عند تحديث المعدات أو تطوير البنية الأساسية، رغم أهمية ذلك، وإنما يجب أن يمتد إلى الإنسان والمحتوى، وإلى إعادة تشغيل الطاقات، وإحياء قطاع الإنتاج، وفتح الأبواب أمام المواهب الجديدة، وصناعة برامج ودراما تستطيع أن تنافس بقوة من دون أن تتنازل عن الرقي.
وهنا يبرز دور الدكتور أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في أن يجعل إعادة بناء الدور المهني لماسبيرو جزءًا أصيلًا من عملية التطوير، وأن تتحول الإمكانات المتاحة إلى إنتاج حقيقي يراه المواطن على الشاشة، ويشعر معه أن المؤسسة التي صنعت جزءًا من ذاكرته الإعلامية قادرة أيضًا على المشاركة في صناعة مستقبله.
ولا يقل أهمية عن ذلك أن تكون هناك منظومة واضحة للمحتوى الإعلامي، تحدد المسؤوليات وتطبق المعايير المهنية على الجميع، بحيث لا ننتظر وقوع المشكلة ثم نبدأ في البحث عن علاجها. فالمشاهد يستحق أن يعرف أن هناك قواعد تحكم الشاشة، وأن الحرية لا تتناقض مع المسؤولية، وأن التعددية لا تعني غياب المعايير.
والدراما في حاجة إلى هذه الرؤية أكثر من أي وقت مضى. لسنا في حاجة إلى دراما تخفي عيوب المجتمع، بل إلى دراما تمتلك شجاعة مواجهتها، ولكن بوعي. فهناك فارق بين أن نعرض الجريمة لنفهم أسبابها، وأن نقدمها بصورة تمنحها بريقًا، وبين أن نناقش الانحراف باعتباره مشكلة، وأن نجعله في الوقت نفسه يبدو طريقًا إلى القوة أو النجاح.
كما أن الحديث عن فرص العمل داخل الإعلام والدراما يجب أن يرتبط دائمًا بمعايير مهنية واضحة تفتح الطريق أمام الموهبة، وتمنح أصحاب الأفكار الجديدة فرصة حقيقية، وتعزز تكافؤ الفرص داخل صناعة الإعلام والفن. المعيار العادل لا يحمي الموهوب فقط، وإنما يحمي الصناعة نفسها من الجمود.
وفي 10 أغسطس 2025، وجّه الرئيس بوضع خارطة طريق شاملة لتطوير الإعلام المصري، مع التأكيد على دوره في بناء الشخصية وتشكيل الوعي والارتقاء بالذوق العام، إلى جانب عرض جهود تطوير منظومة الإذاعة والتليفزيون المصري، ماسبيرو. وهذه الرؤية تمثل أساسًا مهمًا لاستكمال خطوات التطوير، بما ينعكس تدريجيًا على المحتوى الذي يراه المواطن، وعلى مستوى الشاشة، وعلى حضور المؤسسة الوطنية داخل صناعة الإعلام.
سيدي الرئيس، نحتاج إلى قرار يدفع ملف الإعلام إلى الأمام، ويستكمل مسار التطوير، ويرتب الأولويات، ويضع تطوير المحتوى في قلب عملية الإصلاح، ويمنح ماسبيرو فرصة حقيقية لاستعادة دوره، ويجعل المهنية والذوق العام واحترام عقل المواطن جزءًا أساسيًا من مستقبل الشاشة المصرية.
لسنا في حاجة إلى إعلام يغلق الأبواب أمام الاختلاف، وإنما إلى إعلام يعرف كيف يدير الاختلاف برقي. ولسنا في حاجة إلى شاشة تخشى الواقع، وإنما إلى شاشة تمتلك الشجاعة لتراه كما هو، ثم تقدم للناس ما يساعدهم على فهمه، لا ما يزيد من قسوته أو يحوله إلى مادة للاستهلاك.
إن مصر لا تعاني نقصًا في المواهب، ولا تفتقر إلى الخبرات، ولا ينقصها تاريخ إعلامي وفني طويل. ما تحتاجه هو منظومة تعرف كيف تجمع هذه العناصر، وتمنحها فرصة العمل، وتعيد الاعتبار لفكرة أن الجودة يمكن أن تكون جماهيرية، وأن الرقي لا يعني الانفصال عن الناس، وأن احترام المشاهد لا يتعارض أبدًا مع النجاح.
نريد لماسبيرو أن يعود إلى قلب المشهد، لا باعتباره حارسًا للماضي، وإنما شريكًا في صناعة المستقبل. نريد أن تعود الاستوديوهات إلى العمل، وأن تستعيد الدراما المصرية قدرتها على المنافسة، وأن يجد الموهوب طريقه، وأن يشعر المشاهد بأن وراء الشاشة مؤسسة تفهم مسؤوليته وتقدر عقله.
والذوق العام لا يُحمى بالصوت المرتفع، وإنما بصناعة البديل الجيد. حين نقدم برنامجًا محترمًا، ودراما مكتوبة بعناية، ومذيعًا يمتلك أدواته، وفنانًا يعرف قيمة ما يقدم، فإننا لا نمنع شيئًا، وإنما نمنح الجمهور فرصة الاختيار بين مستويات أفضل.
ربما يكون هذا هو المعنى الحقيقي لعودة ماسبيرو: ألا يعود إلى الماضي، وإنما أن يأخذ أجمل ما في الماضي ويضعه في خدمة المستقبل، وأن يثبت مرة أخرى أن الإعلام يستطيع أن يكون مؤثرًا من دون ابتذال، وجماهيريًا من دون إسفاف، وجريئًا من دون أن يفقد احترامه.
سيدي الرئيس، ملف الإعلام يستحق استكمال مساره برؤية متكاملة، لأن القضية في حقيقتها ليست قضية شاشة أو مؤسسة، وإنما قضية صورة مصر في عيون أبنائها، وقضية ما نضعه أمام الأسرة المصرية، وما نتركه في ذاكرة جيل كامل.
وماسبيرو، بما يحمله من تاريخ وخبرة وذاكرة، يستحق أن يحصل على فرصة جديدة، لا ليحكي لنا ما كان، وإنما ليشارك في صناعة ما سيكون.
فالإعلام الذي يحترم الناس لا يفقد جمهوره، والفن الذي يحترم الإنسان لا يفقد أثره، والشاشة التي تعرف قيمة الكلمة والصورة تستطيع، مهما تغيرت الوسائل، أن تستعيد مكانتها في قلوب الناس.

















