إنما هي موتةٌ، أو قُل إذا شئتَ، “بروفة” على الموت.
كنت أسير في الشارع، فإذا بقبضة صلدة على كتفي، وقبضة فولاذية تعصر زندي الأيمن، وقبضة تُطبق بإحكامٍ على زندي الأيسر، وقبضة تمسك بحزام سروالي.
تفحصت الوجوه: الشوارب العريضة الكثة، والنظرات النارية، والقسمات الوعرة، بهدوء لا أعرف له تأويلًا، خفتُ بلا ريب، لكني لم أرتعد.
“عارف احنا مين”.. أومأت بإشارةٍ تعني الإيجاب، ولم أنبس ببنت شفة، إلا بعد أخذ هاتفي الذي كان يرن: “أمي.. أريد طمأنتها” وكان الطلب مرفوضًا.
بعدئذٍ، انقطعت الوشائج بيني وبين كل مفردات حياتي السابقة.. “سقطت الشبكة”!
ولنحو عشرين يومًا، كنت مثل ذي النون، في بطن الحوت، أنادي ربي: “لا إله إلا أنت سبحانك، إني كنت من الظالمين”، بغير حول ولا قوة، ولا وسيلة للتواصل مع أهلي، تتردد في أعماقي كلمات أمي في آخر اتصال هاتفي، قبيل القبض عليّ بدقائق: ستقتلُ أمك.
لمدة عشرين يوما، لم أضع في فمي إلا لقيمات، تُبقي وظائف الجسم قادرة على العمل، لكن بالحد الأدنى.
أتمتم بكلمات شاعرنا محمود درويش: “أحنُّ إلى خبزِ أمي/ وقهوةِ أمي/ ولمسةِ أمي”.. حتى أصل إلى “وأعشقُ عمري/ لأني إذا مِتُّ/ أخجلُ من دمعِ أمي”… فأبكي صامتًا، تحت البطانية القذرة، حتى لا يراني رفاق الزنزانة، فأصدر لهم طاقة سلبية، وهم في غاية الهشاشة، كأعجاز نخلٍ خاوية، وفق التعبير القرآني البديع.
لمدة عشرين يومًا، لا تشغلني الأسوار العالية، ولا وجوه السجانين “الجرداء”، ولا ظروف حياتي المأساوية، ولا القيود التي تدمي معصمي، وإنما أفكر في أمي.
أنا “ابن أمي”، وهي حبيبتي الأولى، حتى إنها حين خضعت لقسطرة القلب، نهش الألم قلبي نهشا، ألمٌ حقيقي، وليس ألمًا نفسيًا، ولم ينتهِ الألم إلا بعد خروجها من غرفة الجراحة، وحين خضعتُ أنا للأمر ذاته، بعدها بسنين، وكانت خارج مصر، قيل لي إنها لم تنطق بكلمة، وإنما جلست على كرسي وهي تضع يدها على قلبها، حتى سمعت صوتي.
إنني أحب أمي، حتى إنني أثناء خضوعي لتلك الجراحة، أخذت أتفحص “المونيتور” باحثًا عن وجهها المستدير البهي، والذي أحسب أنه محفور على جدران قلبي.
فلتذهب الحياة إلى الجحيم، ولا يمس أمي حزن، ولا تُشَكُ شوكةً هينة.
“أللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، صلاةً تُرضيكَ عن أمي، فتنزل السكينة عليها، وتربط على قلبها، فتردني إليها، كما رددت موسى إلى أمه”.
ألف مرة.. أكثر من ذلك، اليوم كله، أردد الكلمات، وقلبي موصول بالسماء.
هكذا كانت البدايات.. والبدايات ذات سطوة، إن الغُربال الجديد له شدَّة، فالحب يبدأ فائرًا جامحًا ومتوهجًا، ثم تخبو جذوته كلما تقادم عهده، والثورات تبدأ حماسية حالمة، ثم ينقض عليها نهازو الفرص، الاستغلاليون وكذلك السجن، يبدأ فظًا غليظ القلب، يقدح الجحيم في العروق والأعصاب، ثم يرغمك على التعايش مع قبحه، ولا يمنحك بعد توالي الأسابيع، إلا رسائل تطمئنك على “لحمك ودمك وأحبابك”.
رسالة يا محمد يا ابن مصطفى… هتف زميل عائد من زيارة، انتفضت تحت البطانية، إنه خط ابنتي فريدة، عيناي تلتهم السطور كعصفور جائع، أبحث عن كلمة عن أمي، “اطمئن يا بابا تيتا بخير، وأنا معاها”.. سقطتُ مغشيًا عليّ.
ولما صحوت، أخذت أصلي لله شكرا: “يا رب أكرمتني وأنزلت عليّ رحمتك، كما تُنزل من المعصرات ماءً ثجاجًا، فلك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد قبل الرضا، ولك الحمد بعد الرضا”.
هكذا انتهت “البروفة”، فثمة تواصل ما مع “أغلى الناس” في الخارج، ولعل سجني يفتدي أي منهم، إن علمتم الغيب لاخترتم الواقع.
لكن الأيام تطول، واليأس شرع يستعمر خلايا القلب، والضجر يزداد اشتعالا، فإذا بي ألوذ بكتاب الله، فأقرأ وأتمعن وأتفكر، ثم شرعت أحفظ ما تيسر، والحق أني حفظت
منه، ما لم يكن ممكنًا أن أحفظه خارج الأسوار، على مدى ما يتبقى لي من “رزق العمر”، وقد حفظت أولًا: سورة يس، قلب القرآن، التي تحفظها أمي كذلك، وجعلتها والرحمن والواقعة، وِردًا يوميًا، قبل أن أغمض عيني.
“ما ينظرون إلا صيحةً واحدةً تأخذهم وهم يَخِصّمون/ فلا يستطيعون توصيةً ولا إلى أهلهم يرجعون”.. هكذا يقول النص القرآني المحكم، في يس، وهكذا كانت بدايات السجن.. كالموت تمامًا، انتزاع من الحياة، حتى إني لم أعد قادرًا على أن أوصي أهلي، بما يفعلون أثناء غيابي.
لقد قامت قيامتي، وهكذا تباغت الإنسان، صيحةٌ واحدة، وهو “يَخِصّمُ” أي ينشغل بأمور الحياة الدنيا، ولا يحسب حساب أن الساعة آتية، لا ريب فيها، فماذا تراه أعد للموت بعد هذه البروفة؟
كان هذا السؤال، نقطة انطلاق لحوارات ذاتية، استغرقت نحو ستة أشهر، رأيت فيها خطاياي بنظارة معظمة، فاستغفرت صادقًا، نادمًا على ما قدمت يداي من سوء، وسألت الله أن يقويني على شيطان نفسي، وعندئذٍ بدأت أتلمس المنحة، في قلب المحنة.





















