كان السلطان الظاهر برقوق، مؤسس دولة المماليك الشركسية، رجلًا عادلًا، أحبه الناس وكان له إنجازات عسكرية وعمرانية هائلة، لكن لم يكن لذريته نفس حظه، شأنه في ذلك شأن الظاهر بيبرس.
يروى لنا بن إياس أنه قد تولى حُكم مصر من بعد الظاهر برقوق، إبنه الأكبر الذي كان إسمه عند ميلاده “بلغاق” وهي كلمة شركسية تعني “التَكْدِير”، لأنه وُلِد وقت أن كان أبوه سجينًا، فلما خرج الأب من السجن، وعاد للسلطنة، قام بتغيير إسم الفتى إلى “فَرَج”.
عندما تولى الإبن حُكم مصر، لَقّبوه بالناصر زين الدين فرج، لكنه لم يكن فَرَجًا أبدًا، فكانت سنوات حُكمه ،كإسمه الأصلي، كَدَرًا في كَدَر، وعاش المصريون وأهل الشام في عهده، في ضنك شديد ما بين ظُلمٍ وجَورٍ وشُح في الأموال من ناحية، وهجماتٍ للأعداء من ناحيةٍ أخرى، كان أسوأها على الإطلاق، مذابح تيمورلنك الشهيرة.
كان السلطان “تكدير” سِكّيرًا ماجنًا،وسفاحًا لا يتردد ،حتى، في قتل رجاله وأقرب الناس وأحبهم إلى قلبه، كما سيروي لنا بن إياس. حَكَم السلطان “تَكْدِير” مصر لمدة ثلاثة عشر سنة على فترتين تتخلتهما فترة سبعين يومًا فقط، تولى فيهما أخاه “المنصور عبد العزيز” الحُكم.
يروي لنا بن إياس، أن “السلطان تكدير”،في نهاية فترة حكمه الأولى، كان قد إختفي فجأة من القلعة، ولم يعرف له الناس خَبَرًا، لكنه في حقيقة الأمر كان قد خرج مع مجموعة من رفاقه لشرب الخمر، فسَكِروا سُكرًا شديدًا وألقوا بأنفسهم في الماء غير واعين.
بينما هم في الماء يلهون، إقترب منه واحد من رفاقه كأنه يمازِحُه بتغطيس رأسه في الماء، وكان يقصد أن يغرقه. لما تنبه الباقون إلى ذلك، أنقذوه وقد أشرف على الموت، ففر هاربًا إلى بيت كاتم السر: “سعد الدين بن غراب”.
لما علم الأمراء بهروب السلطان، إتفقوا على تولية أخاه عبد العزيز الذي كان يبلغ من العمر عشر سنين، ولَقبوه بالسلطان “المنصور عبد العزيز بن برقوق”، بينما كان المدير الفعلي لشئون السلطنة هو كاتم السر “سعد الدين بن غراب”.
يروي لنا بن إياس، أن حال الناس قد إزداد سوءًا، ومَرِض السلطان الجديد، فشكى أحد الأمراء “لإبن غراب” وتمنى عودة السلطان فرج، فقال له بن غراب: “لا تهتم يا أمير يشبك، فإن الملك الناصر عندي في البيت”، وإتفقوا على عودته، وقد كان.
ظهر السلطان الهارب، وتَوَجَه إلى القلعة على رأس مماليكه، فهزموا مماليك أخيه، وتمت توليته مرة أخرى، لتعود أيام الشقاء.
يروي لنا بن إياس، أن السلطان فرج كان متزوجًا من إمرأة رائعة الجمال كان يعشقها بجنون، تُدعى “خوند بنت صُرُق” ثم طَلَقها، فأحبت الأمير “شهاب الدين بن الطبلاوي”.
لما عَلِم السلطان فرج بقصة حبهما، أرسل إليها لتصعد للقاءه بالقلعة، ظنت “بنت صُرُق”، أنه يريد أن يعيدها لعصمته، فصعدت للقاءه، يصف بن تغري بردي ماحدث فيقول، أنه ما أن رآها إلا وقد بدأ يكيل لها السباب، ثم ضربها بسيف صغير يسمى المنجاة، فقطع أصابع يدها، فصاحت وهربت، فطاردها ثم ضربها على كتفها فقطع منه قطعة، فصاحت وهربت مرة أخرى إلى أن وصلت الحمام، فقطع رأسها وأخفاه في مَنشفة، ثم طلب حبيبها بن الطبلاوي، وقال له: “تعرف هذه الرأس؟”، فسكت الحبيب ناظرًا للأرض، ليقطع السلطان رأسه ويأمر بدفنهما معًا في قبر واحد.
بمرور الأيام، إزداد حال الناس ضنكًا، وإزداد غضب الأمراء الذين عانوا من”السلطان تكدير” عناءًا شديدًا، إذ كان يسْكَر إلى منتصف الليل، ثم يطلب عرض المماليك وهم في قيودٍ حديدةٍ، فيقول: “من هذا؟”، فيقولون: “فلان من الطبقة الفلانية”، فيقول: “قدِموه”، ليذبحه بيده، ويركل وجهه بقدمه، ثم يطلب من حاشيته أن يلقوا به من سور القلعة.
اجتمع الأمراء، وكتبوا مَحضَرًا بأفعال السلطان، وأنه سَفّاك للدماء، مدمن للخمر، وقد وقع منه أشياء توجب الكفر، وقرروا خلعه من الحُكم، فسجنوه بالبرج في قلعة دمشق، وحصلوا من قاضي قضاة الحنفية على تصريح بقتله.
يروي لنا بن إياس، أن الأمراء أرسلوا بعض الحرس إليه في محبسه، فقتلوه بالخناجر، ثم ألقوا بجثته في مزبلة خارج المدينة وهو عارٍ إلا مما يستر عورته، لتنتهي بذلك حكاية دراما السلطان “تكدير” عن المُجون والعِشق والدم.
حِتَّة مِن مَوّال
وعشان نقول أمثال ونِضرّبها
لابُد مِن مقتول يجَرّبها
يا حَسرِة العَجَبة في إيد اليَتيم
المصري هو الشَاعِر القَايل
الناس بتاكُل بَعض، مِش واكِل





















