خلال ثلاثة أشهر، تستعد مصر لعقد ثلاثة مؤتمرات تبدو موضوعاتها، للوهلة الأولى، متباعدة: مؤتمر «الهوية الوطنية.. جذور راسخة ورؤية متجددة» في سبتمبر، ومؤتمر حكومي لتقديم «كشف حساب» في أكتوبر، ثم المؤتمر السنوي لتطوير الإعلام في ديسمبر.
لكن وضع هذه الاستحقاقات في سياق واحد يكشف عن فرصة تتجاوز موضوع كل مؤتمر على حدة؛ فهي تلامس ثلاثة أسئلة متصلة في علاقة الدولة بالمجتمع: ما الذي يجمع المصريين؟ ماذا قدمت الدولة؟ وكيف تتواصل مع مواطنيها وتستمع إليهم؟
يأتي مؤتمر الهوية الوطنية، المقرر عقده في مكتبة الإسكندرية خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر تحت رعاية السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، بعد أكثر من عام من التحضير.
وتنبع أهميته من أن سؤال الهوية لم يعد يُطرح في البيئة الاجتماعية نفسها التي تشكلت فيها المفاهيم التقليدية عنها؛ فالأجيال الجديدة تتلقى المعرفة والقيم عبر مصادر متعددة، تتداخل فيها الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والثقافية مع المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.
لذلك، فإن القضية الأساسية ليست استدعاء عناصر الهوية المصرية بقدر ما هي البحث في قدرتها على الاستمرار والتجدد، فالهوية تصبح ذات أثر حين تتحول إلى قيم وممارسات تنعكس في التعليم والثقافة والإعلام والحياة العامة، وحين يجد جيل زد من الشباب فيها إطارًا يستوعب التحولات الجديدة من دون أن يقطع الصلة بالجذور، ومن هنا ستكون قيمة المؤتمر في قدرته على إنتاج رؤية قابلة للتطبيق، لا الاكتفاء بإعادة صياغة خطاب مألوف حول الانتماء والمواطنة.
في أكتوبر ينتقل النقاش إلى مستوى مختلف: أداء الدولة وما أنجزته بالفعل، فقد وجه الرئيس بإعداد تقرير شامل عن الإنجازات الفعلية في مختلف قطاعات الدولة وعرضه على المواطنين، متضمنًا الجهود والموارد والنتائج.
وأهمية «كشف الحساب» أن يتحول من عرض للبيانات إلى مراجعة واضحة لما تحقق وما لم يتحقق، وما واجه التنفيذ من تحديات، وما انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين.
فالإنجاز الحكومي لا يكتسب معناه الكامل من حجمه المالي أو المادي، وإنما من أثره، وقد فصلت في ذلك في مقال سابق، والمواطن هو الطرف الأكثر قدرة على اختبار هذا الأثر من خلال تجربته اليومية مع الخدمات والفرص والمؤسسات.
ومن ثم، فإن تقديم صورة مكتملة عن الأداء، بما تتضمنه من نتائج وتحديات وأوجه تحتاج إلى تصحيح، يمكن أن يجعل «كشف الحساب» ممارسة أكثر نضجًا للمساءلة العامة، ويمنح المواطن أساسًا أفضل للحكم على السياسات بدل الاكتفاء بالانطباعات المتداولة عنها.
ثم يأتي مؤتمر تطوير الإعلام في الثالث من ديسمبر ليضع الاتصال العام في دائرة النقاش، فالمشهد الإعلامي لم يعد محكومًا بالمؤسسات التقليدية وحدها؛ إذ أصبحت المنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي وشبكات التواصل عناصر مؤثرة في تشكيل المعرفة والرأي العام.
وفي هذه البيئة، لا يصبح تطوير الإعلام مسألة تقنية أو مهنية فقط، وإنما يتعلق بقدرته على توفير معلومات موثوقة، وشرح السياسات العامة، وإتاحة المجال للنقاش، ونقل اهتمامات المجتمع إلى مؤسسات الدولة.
بهذا الترتيب، يصبح لكل مؤتمر موقع محدد في الصورة الكلية: الأول يبحث في الأساس القيمي والثقافي الذي يجمع المجتمع، والثاني يضع أداء الدولة أمام اختبار الواقع، والثالث يناقش المجال الذي يلتقي فيه المواطن بالدولة حول المعلومات والسياسات والنتائج. وما يجمع بينها ليس تشابه الموضوعات، وإنما تكامل الأسئلة التي تطرحها.
ومن هنا، فإن أهمية هذه الاستحقاقات لا ينبغي أن تختزل في مجرد انعقادها؛ فمصر شهدت مؤتمرات ولقاءات عديدة، ولم تعد قيمة المؤتمر تقاس بحجم الحضور أو التغطية التي يحظى بها، الفارق الحقيقي يكمن في شكل المؤتمر وطبيعة الحوار داخله، ومدى تنوع الآراء المشاركة، وقدرته على إتاحة نقاش جاد حول القضايا المطروحة، ثم في المخرجات التي ينتهي إليها وما إذا كانت تتحول إلى التزامات واضحة قابلة للتنفيذ والمتابعة.
ولهذا، ينبغي ألا يُفترض أن تنتهي المؤتمرات بتوافق كامل حول كل القضايا، فقيمتها قد تظهر أيضًا في إدارة الاختلاف بصورة مؤسسية، من خلال إعلان نقاط الاتفاق، والقضايا التي بقيت محل نقاش، والبدائل المطروحة بشأنها، فوجود اختلاف لا يضعف الحوار العام، وإنما يمكن أن يجعله أكثر صدقًا وقدرة على إنتاج خيارات أفضل.
أما الوصول إلى المجتمع، فيتطلب أن يكون الجزء الأكبر من جلسات هذه اللقاءات متاحًا للبث المباشر، مع تمثيل متوازن للفئات الاجتماعية والمهنية والشبابية والخبراء وأصحاب المصالح ووجهات النظر المختلفة، وعدم الاقتصار على دعوة الفئات المعتادة على حضور هذا النوع من المؤتمرات.
فالمؤتمر الذي يناقش مستقبل المجتمع ينبغي أن يتيح للمجتمع نفسه فرصة الحضور والمشاركة وطرح الأسئلة الجادة داخل الجلسات، من دون تزويق أو تجميل، ومن دون أن تكون طبيعة المداخلات أو اتجاهاتها معروفة مسبقًا.
لكن الأهم أن تجد المخرجات طريقها إلى التنفيذ، ويمكن أن تتولى الرئاسة، أو جهة تنسيقية تحددها، مسؤولية الربط بين المؤتمرات الثلاثة، بما يضمن تحويل النتائج إلى برامج عمل محددة، مع وضوح الجهات المعنية بالتنفيذ والمواعيد المستهدفة ومؤشرات المتابعة، وربطها بالخطط الحكومية والموازنة العامة.
فكثير من التوصيات لا تتعثر بسبب ضعف الفكرة، وإنما لأنها تظل بلا جهة تنفيذية واضحة أو موارد مخصصة أو إطار زمني محدد، ولذلك ينبغي أن يكون السؤال المصاحب لكل توصية رئيسية: من سينفذها؟ وبأي موارد؟ ومتى؟
وفي النهاية، لن يكون الاختبار الحقيقي في عدد المؤتمرات التي عُقدت أو حجم التغطية الإعلامية المصاحبة لها، وإنما فيما تتركه وراءها، فإذا أنتج مؤتمر الهوية رؤية قابلة للتطبيق، وقدم «كشف الحساب» صورة يمكن مراجعتها، وأسهم مؤتمر الإعلام في تطوير الاتصال العام، ثم وجدت هذه المخرجات طريقها إلى التنفيذ والمتابعة، فإن المؤتمرات تتحول من فعاليات متتابعة إلى جزء من عملية صناعة السياسة العامة.
والفرصة الأهم هنا أن تتعامل الدولة مع هذه الاستحقاقات باعتبارها لحظة لإعادة النظر في علاقتها بالمجتمع.
فالدولة التي تحافظ على هويتها تحتاج إلى فهم التحولات التي يعيشها مجتمعها، والدولة التي تعرض أداءها تحتاج إلى قبول حق المواطن في المعرفة والمساءلة، والدولة التي تطور إعلامها تحتاج إلى أن تجعل الاتصال طريقًا متبادلًا لا اتجاهًا واحدًا.
وعندما تلتقي هذه الأبعاد، يصبح تجديد الدولة المصرية أعمق من تطوير مؤسساتها أو تحديث أدواتها؛ يصبح تجديدًا للطريقة التي تفهم بها مجتمعها، وتدير الحوار معه، وتتعلم من أسئلته، وعندها فقط يمكن أن تتحول ثلاثة مؤتمرات متتابعة إلى بداية حقيقية لمسار جديد بين الدولة والمواطن.






















