في السنوات الأخيرة، قررت أجهزة الدولة المصرية أن تمنحنا جرعات مكثفة من “الانتماء” كأنه دواء يجب تناوله بانتظام، فأنتجت مجموعة من الأغاني الوطنية التي قد تكون رديئة فنياً، لكنها تُبث بإلحاح على مدار اليوم، وفي المقابل، اخترعت بدعة جديدة لا تمت للرياضة بصلة، وهي عزف السلام الوطني قبل مباريات الدوري المصري، وكأنما الجماهير في مواجهة دولية لا في لقاء محلي بين فريقين متنافسين.
على مر تاريخنا ارتبطت الأغاني الوطنية في وجداننا بلحظات فارقة، أو مناسبات عظيمة، أو أحداث جسام، كنا نسمع أغنية وطنية فنستشعر أن هناك حدثاً جللاً، أو ننتظر بياناً مهماً، أو نحتفل بعيد من أعياد الوطن، أما اليوم، فقد أصبحت الأغاني الوطنية تُبث “عمال على بطال”، وكأنها موسيقى خلفية لحياة يومية عادية، فالأغنية التي كانت تثير فينا مشاعر الفخر والاعتزاز، أصبحت مع تكرارها المفرط مجرد طنين في الخلفية، يتجاهله المستمعون ويتحول إلى ضجيج ممل.
والأمر الأكثر كارثية هو بدعة عزف السلام الوطني في مباريات الدوري المصري، فمنذ بدأ تطبيق هذه الفكرة، أصبحنا نشاهد مشهداً مؤسفاً، في البداية كان الجمهور ينهض احتراماً للسلام كما تعودنا، لكن مع التكرار، أصبح الواقفون قلة، وانصرفت الغالبية العظمى عن الوقوف، وهذه ليست مجرد مشكلة أخلاقية، بل هي كارثة بامتياز، لأن تكرار السلام الوطني في مناسبات غير جادة ومؤثرة يؤدي إلى فقدان هيبته في قلوب المواطنين، لقد أصبح السلام مألوفاً إلى درجة الابتذال، وأصبح الناس يتعاملون معه كجزء من الروتين اليومي لا كرمز وطني مهيب.
أما المفاجأة الأكثر إيلاماً، فهي أن السلام الوطني المعزوف في الملاعب ليس السلام الكامل، بل هو جزء مختصر منه، وقد رسخ هذا الاختصار في أذهان الأجيال الصغيرة أن هذا المقطع هو السلام الوطني، وليس السلام الرسمي الكامل، هذا الخلط بين السلام المختصر والسلام الأصلي يُحدث ارتباكاً في الإدراك، ويساهم في تردي مكانة الرمز الوطني في أذهان النشء.
والحقيقة المثبتة أن المصريين لا يحتاجون إلى جرعات مكثفة من الانتماء، ولا إلى بدع جديدة لتأكيد حبهم لوطنهم، فالانتماء المصري أصيل ومتجذر في التاريخ، يظهر في الأوقات الصعبة، وفي المواقف المصيرية، المصريون وقفوا صفاً واحداً في حرب أكتوبر، وفي ثورتين، وفي كل محنة مرت بالبلاد، هذا الانتماء لا يحتاج إلى أغاني رديئة، ولا إلى سلام وطني معزوف في مباريات الدوري، ولا إلى أي شكل من أشكال التلقين القسري.
فعندما يفرط النظام في بث رسائل الانتماء، ويجعلها جزءاً من الروتين اليومي، فإنه يحقق نتائج عكسية تماماً، فالمواطن يبدأ في الشعور بالملل، ثم السخرية، ثم النفور، وهذا ما نراه اليوم في ردود الفعل تجاه هذه الممارسات، الناس لم يعودوا يتفاعلون مع الأغاني الوطنية، ولم يعودوا يهتمون بالسلام الوطني في الملاعب، بل أصبحوا ينظرون إلى هذه الممارسات بسخرية واستهزاء.
ونحن هنا نوجه نداءً واضحاً لأجهزة الدولة “ارفعوا أيديكم عن الانتماء”، المصريون لا يحتاجون إلى جرعات مكثفة من الوطنية، ولا إلى بدع جديدة تهدف إلى تجميل الواقع على حساب مشاعر الناس الحقيقية، فالانتماء الحقيقي يُزرع بالقدوة، وبالعدالة، وبالحرية، وبالشعور بأن المواطن جزء من وطنه، وليس مجرد متلقٍ لرسائل دعائية.
دعونا نستعيد السلام الوطني لمكانته، فلا يُعزف إلا في المناسبات التي تليق به، وكاملاً غير منقوص، ودعونا نعيد للأغاني الوطنية بريقها، فلا تذاع إلا حين يكون هناك حقاً ما يستحق، فالإفراط في الانتماء، كما يثبت الواقع، لا يزيده إلا وهناً، ولا يخدمه إلا ضرراً.





















