غالبًا ما يتزامن النقرس ومرض السكر من النوع الثاني لدى كثير من المرضى، وهو ارتباط لا يمكن اعتباره مصادفة عابرة، بل حلقة معقدة قد تُلحق أضرارًا واسعة بالصحة الأيضية إذا لم تتم إدارتها بالشكل الصحيح.
النقرس في جوهره مرض ينتج عن تراكم بلورات حمض اليوريك داخل المفاصل، مسببًا التهابات مؤلمة تعيق الحركة.
أما السكري، فيتمثل في مقاومة الجسم للأنسولين وارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم، ما يؤدي إلى أضرار تدريجية في الأعضاء والأوعية الدموية.
الأبحاث الحديثة تكشف أن الرابط بين المرضين أقوى مما كان يُعتقد، حيث يشتركان في عوامل خطر واضحة مثل السمنة، أنماط التغذية غير الصحية، وقلة النشاط البدني.
النقرس ومرض السكر.. ما الذي يحدث داخل الجسم؟
النقرس يظهر عندما يعجز الجسم عن التخلص من حمض اليوريك الزائد، فيتراكم في الدم ويتحول إلى بلورات حادة تترسب في المفاصل، هذه العملية تثير التهابات حادة، وألمًا قد يصل إلى درجة تعجيزية.
في المقابل، مرض السكر من النوع الثاني يحدث عندما لا يستجيب الجسم للأنسولين بشكل طبيعي، ما يترك الجلوكوز يتراكم في الدم لفترات طويلة، على المدى البعيد، يسبب هذا التلف في الأعصاب والكلى والقلب والعينين.
ما يجعل العلاقة بين النقرس والسكر معقدة هو أن كلا المرضين يرتبطان باضطراب التمثيل الغذائي، ويتغذيان على بعضهما البعض، بحيث يزيد وجود أحدهما من احتمالية ظهور الآخر.

كيف يربط العلماء بين النقرس ومرض السكر؟
تشير دراسات موسعة إلى أن المصابين بالنقرس أكثر عرضة للإصابة بالسكر بنسبة ملحوظة مقارنة بغيرهم، السبب في ذلك أن الالتهابات المستمرة الناتجة عن ترسب حمض اليوريك تؤدي إلى خلل في حساسية الأنسولين، وبالتالي ترتفع احتمالات الإصابة بالسكري.
وفي الاتجاه العكسي، فإن مقاومة الأنسولين تجعل الكليتين أقل قدرة على التخلص من حمض اليوريك، ما يؤدي إلى تراكمه وظهور نوبات النقرس.
هذه العلاقة التبادلية تجعل من الضروري النظر إلى النقرس ليس فقط كمرض مفصلي، بل كجزء من منظومة أوسع مرتبطة باضطراب التمثيل الغذائي.
مقاومة الأنسولين.. الرابط الخفي بين النقرس والسكري
الأنسولين يلعب دورًا أساسيًا في التحكم بمستويات السكر في الدم، لكنه أيضًا يؤثر على كيفية تعامل الكلى مع حمض اليوريك، عند حدوث مقاومة للأنسولين، يتعطل هذا التوازن، فيرتفع سكر الدم من ناحية، ويزداد تراكم حمض اليوريك من ناحية أخرى.
الأبحاث توضح كذلك أن بعض العوامل الوراثية قد تجعل الأشخاص أكثر عرضة للإصابة بكلا المرضين معًا، خاصة الجينات المرتبطة بعملية التمثيل الغذائي للدهون والجلوكوز.
هل هناك حالات يكون فيها مرض السكر واقيًا من النقرس؟
رغم أن العلاقة في الغالب سلبية، إلا أن بعض الدراسات أشارت إلى أن مرضى السكري من النوع الأول أقل عرضة للإصابة بالنقرس، يُعتقد أن ارتفاع مستويات الجلوكوز في الدم عند هؤلاء قد يُثبط بعض الاستجابات الالتهابية التي تُحفّز نوبات النقرس.
لكن هذا التأثير ليس بالضرورة إيجابيًا، إذ إن الأضرار الطويلة المدى للسكر غير المنضبط، مثل تلف القلب والكلى والأعصاب، تفوق هذا الأثر الوقائي المحدود.

كيف يدير الأطباء النقرس ومرض السكر معًا؟
لأن كلا المرضين يشتركان في الجذور والأسباب، فإن السيطرة عليهما تتطلب خطة متكاملة تشمل:
- التحكم في الوزن وممارسة النشاط البدني
- زيادة الوزن تُفاقم مقاومة الأنسولين وترفع مستويات حمض اليوريك، لذلك ينصح الأطباء بممارسة أنشطة مثل المشي السريع أو السباحة أو ركوب الدراجات بانتظام، لأنها تحسن من حساسية الأنسولين وتُحفّز الجسم على التخلص من السموم عبر العرق.
- النظام الغذائي المناسب
- التغذية تمثل محورًا رئيسيًا، تقليل اللحوم الحمراء، المأكولات البحرية الغنية بالبيورينات، والمشروبات السكرية يُساعد على خفض خطر نوبات النقرس وضبط سكر الدم، في المقابل، يوصى بالإكثار من الأطعمة الغنية بالألياف والخضروات والحبوب الكاملة.
- الترطيب وشرب الماء
- الماء ليس رفاهية في هذه الحالة، بل ضرورة، شرب كميات كافية من المياه على مدار اليوم يُحسّن من وظائف الكلى، ويساعد على التخلص من حمض اليوريك، مما يقلل فرص تكوّن البلورات المؤلمة في المفاصل.
- الأدوية المناسبة
- بعض أدوية السكر، مثل “سجليفلوزين” ومثيلاتها، تساعد أيضًا على التخلص من حمض اليوريك، وهو ما يمثل فائدة مزدوجة، أما بالنسبة للنقرس، فالأدوية الشائعة مثل “ألوبيورينول” تُستخدم لتقليل حمض اليوريك، ويمكن الجمع بينها وبين أدوية السكري تحت إشراف طبي.
مضاعفات إهمال النقرس ومرض السكر
الخطر الأكبر ليس في وجود أحد المرضين فقط، بل في اجتماع الاثنين معًا، حيث تزداد احتمالات الإصابة بأمراض القلب، السكتات الدماغية، الفشل الكلوي، وحتى بعض أنواع تلف الأعصاب المزمن.
لهذا السبب، يوصي الأطباء بضرورة إجراء فحوصات دورية شاملة تشمل قياس مستوى السكر التراكمي، وفحص حمض اليوريك، إضافة إلى مراقبة ضغط الدم ووظائف الكلى.
نرشح لك: أهم أعراض الإصابة بمرض السكري.. علامات تنذر بالخطر وضرورة الاكتشاف المبكر
عادات خاطئة تؤدي للإصابة بمرض النقرس.. ما هي؟





















