شهدت الصحافة الحزبية في مصر تراجعًا حادًا خلال السنوات الماضية، حيث أُغلقت العديد من الصحف الحزبية أو توقفت عن الصدور، ما أثر سلبًا على الصحفيين العاملين فيها وعلى المشهد الإعلامي بشكل عام.
هذه الأزمة التي تُعد انعكاسًا لتحديات أعمق تواجه الصحافة المصرية، تتداخل فيها عوامل اقتصادية، سياسية، ومهنية، مما يجعل الوصول إلى حلول عملية أمرًا بالغ التعقيد.
وخلال المؤتمر العام السادس للصحافة المصرية، ألقى حسين الزناتي، وكيل نقابة الصحفيين، ورقة عمل تناول فيها جذور الأزمة وأسبابها، مسلطًا الضوء على التحديات الهيكلية التي تواجه الصحف الحزبية، بما في ذلك ضعف التمويل، وتراجع أداء الأحزاب السياسية، والتحديات الاقتصادية التي تضاعف معاناة الصحف المطبوعة عمومًا.
كما طرح الزناتي مقترحات شاملة لحل الأزمة، مؤكدًا أهمية تكاتف جميع الأطراف المعنية، من إدارات الأحزاب إلى المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، جنبًا إلى جنب مع جهود النقابة، لوضع خريطة طريق تعيد للصحافة الحزبية دورها المؤثر في المشهد
وجاءت ورقة العمل كالآتي:
“الأزمة وأسبابها
-الصعوبة الرئيسية في قضية الصحف الحزبية والمتوقفة أنها لا ترتبط بعنصر واحد، هو الذى أدى إلى وقوع الأزمة، وأن التغلب عليه، وحده كفيل بحلها لكنها ترتبط بالكثير من العوامل التي أدت إليها، وهى ترتبط بشكل أساسي بمناخ عام عملت، ومازالت تعمل فيه الصحافة المصرية من ناحية، ومناخ سياسي حزبي عملت ومازالت تعمل من خلاله الصحافة الحزبية، بالإضافة إلى عوامل أخرى لا نستطيع إنكار وجودها ترتبط بالصناعة نفسها، منها أزمة الصحف المطبوعة، وانحسار دورها داخل مصر، مع انتشار الصحافة الاليكترونية، وكذلك تغيير نمط الأداء الصحفي لدى القارئ، وظهور وسائط ووسائل أخرى للنشر، لم نتعامل بها حتى الآن بالأداء الكافي الذى يجعلنا ندخل ونستعيد درجة التأثير التي كانت تُحدثها صحافتنا من قبل، وفى مقدمتها الصحافة الحزبية.. لأنه من المعروف أنه كلما قلت درجة تأثيرك ، وحضورك، سوف يقل درجة الاهتمام بك، وهى معضلة كبيرة، في قضايانا الصحفية كلها الآن.
– ولا نستطيع أن ننكر أيضاً أن هناك عوامل أخرى ترتبط بنا كصحفيين، وأخرى بالأداء السياسي الحزبي، وممارسات سابقة، وربما مستمرة خلطت بين السياسة، والعمل الحزبي، وتداخلها مع العمل الصحفي المرتبط بالحزب، وتداخلنا معها نحن كصحفيين في هذا الأداء.
إذن فإن الصحافة في مصر تعاني بشكل عام وليست الصحف الحزبية فقط، والسبب الرئيسي هو افتقاد الكثير من الصحف للمصداقية، ونمطية المحتوى الصحفي، فضلًا عن وضع اقتصادي صعب، بدليل أن الصحف الحزبية كانت في فترة ازدهارها منتشرو بشكل واسع لأنها كانت تقدم محتوى يهتم بقضايا الشارع والمواطن ، فكانت في الماضي جزء من ازدهار الصحافة المصرية ، عندما كانت الأحزاب نفسها التي يصدر عنها الصحيفة، على نفس القدر من الحركة والتأثير السياسى، أما الآن فقد غابت الأحزاب المصرية وأصبحت في أدنى قدراتها التأثيرية فاعلية العمل الحزبي أصبحت ضعيفة للغاية وهذا خصم من أداء الصحافة الحزبية.
– وهنا تظهر قضية اتميل العمل الصحفى ، حيث إن الأحزاب ليس لديها مصادر متنوعة للتمويل ولهذا فأغلبها أصبح غير قادر على الإنفاق على أسعار الطباعة التي تتزايد بشكل مستمر وغير قادر على دفع رواتب العاملين، مما أدى إلى ممارسات كلنا نعرفها ونسمع عنها حتى فى مسألة تعيين الزملاء بالصحف، وإلحاقهم بالنقابة، وهى ممارسات أثرت بشكل سلبي على الصحف الحزبية بشكل عام ، وعلى الزملاء الذين تم إغلاق صحفهم بشكل خاص .
– هذا توصيف أوتشريح لواقع صعب لانستطيع تجاوزه إلا بالوقوف عنده والمصارحة به، فالأمر لم يعد متوقفاً عند عدد قليل من الزملاء الذين أغلقت صحفهم، وتوقفت، بل أصبح ظاهرة حاولت النقابة فى حدود إمكاناتها أن تعالجه بجهود سابقة، بدعم الزملاء المتوقفة صحفهم، وكانت آخرها إنشاء موقع إليكترونى لهم، ثم توقف أعماله لأسباب عديدة .
مسارات الحل
كانت هذه هى المشكلة ، وعلينا جميعا أن نسعى للحل
– والحل فى تصورنا لايقف على النقابة وجهودها فقط، لكنه مسئولية كل الأطراف، وفى مقدمتها إدارات الأحزاب، فالمنوط بها، ليس فقط تصدير المشكلة، فى إتجاه النقابة، درءاً لمسئوليتها، بل ترتبط بفعل وحركة هذه الإدارات، وفرض رغبتها للحل، إن كانت تريد ذلك .
– فهذه الصحف المتوقفة، والحزبية ، لها ممثل قانونى يتحدث بإسمها، ويدير شئونها ، و ممثلاً للحزب أمام سلطات الدولة، وهذا الممثل مثلما له حقوق، فهو عليه أيضاً عليه واجبات تجاه الصحفيين الذين ينتمون لصحيفة الحزب ، والذين تضرروا من توقف عملهم.
والممثل القانونى أهميته أنه “الممثل الشرعى” ، الذى عليه أن يفتح حوارا مع الجميع للحل، وليس لتصدير المشكلة ، دون وضع حلول وتصور لها .
وبعدها تكون نقابة الصحفيين أحد أهم المحاور فى النقاش ، واستكمال التصور للحل، وأن تكون الداعمة الأولى لما يتم الاتفاق عليه مع الممثل القانونى ، والزملاء المتضررين من الأزمة.
فالحل ليس فى نقابة الصحفيين وحدها، بل على الجميع أن يساعدوها في تحقيق هذا الهدف.. ومن أوجه المساعدة هذه أن يكون هناك “تصنيفاً ” لمشكلات كل مجموعة على حدة من الزملاء المتضررين ، وكل صحيفة من الصحف المتعطلة على حدة ، فهي ليست كلها على درجة واحدة من المشاكل، وعملية تصنيف المشكلات هذه ، تُسهل الحل ، وليس العكس.
– وهنا فلتكن هذه الجلسة الآن ، وهذا المؤتمر بداية لحوار، وقاعدة انطلاق جديدة لا يكفيها جلسة، ولا أوراق نظرية مقدمة لحل المشاكل المتعلقة بهذه الأزمة، من جميع الأطراف ومشاركتها، وليس نقابة الصحفيين وحدها، بل هي قضية تحتاج وحدها لمؤتمر موسع نسعى فيه لمشاركة كل هذه الأطراف تحت رعاية النقابة وبحضور الممثلين القانونيين للأحزاب، والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والتأمينات، والزملاء المتضررين، والمتعطلين للوقوف على تفاصيل القضية وطرح وتنفيذ الحلول العملية.
-أما فى تجربة إنشاء موقع إليكترونى يضم الزملاء المتوقفة صحفهم، بتمويل من النقابة، فالسؤال لماذا لايقوم كل حزب متعطلة صحفه بإنشاء موقع إليكترونى له، ويكون مُخصصاً لمن كانوا يعملون فى صحيفته، واستعادة نشاطهم الصحفى من خلاله، بمساعدة من النقابة، ودعم المجلس الأعلى للإعلام لتقديم كل التيسيرات التى تحقق هذا.
– وهنا نقترح أنه من الضروري فتح حوار آخر مع رؤساء الأحزاب الحاليين المستقرة أحزابهم الآن، ومن حقهم إصدار الصحف أو المواقع الإليكترونية غير المكلفة، بتنسيق وبرعاية من النقابة أيضا، لإمكانية تشغيل أصحاب الخبرات من الصحفيين المميزين في التجارب الحزبية السابقة ، ليفتح باباً جديداً للعمل لهم .
– فعدد الأحزاب الحالي يستوعب ليس المئات فقط ، بل الآلاف من الزملاء ، ووجود الخبرات الصحفية فيها سيثرى التجربة الصحفية لتلك الأحزاب التي لا تجد لها تأثيرا صحفياً على الأرض بالقدر الكافي.
– ان قضية الصحف المتعطلة بأثرها السلبى على الزملاء ، للأسف هي قضية ترتبط ، ليس فقط بأزمة استعادة فرصة للعمل، لكنها ترتبط بتحديات أخرى نواجهها جميعا، لها علاقة ببيئة وعلاقات العمل الآن في المؤسسات الصحفية حزبية، أو خاصة، أوحتى قومية، بل وكيفية تحسين موارد الصحافة نفسها ، ودرجة تأثيرها على المواطن والقارئ، ولنكن صرحاء مع أنفسنا أن كلها قضايا معاكسة لتحقيق الهدف الذى نصبو إليه من استعادة حيوية العمل الصحفى الحزبى، والصحف المتعطلة، لكن هذا لايجعلنا نيأس فى التحرك بقوة ، بل يزيد من عزيمتنا التحرك بثبات لكنه تحرك لايرمى الكرة فى اتجاه النقابة فقط ، بل بمسئولية الجميع وحُسن النوايا وتحدى الجميع لتلك المعوقات لهذه الاستعادة .
– وفى الصدد نرى أن نستكمل مابدأه الزملاء مؤخراً ببلورة مقترحات لحل الأزمة، بحيث سعي البعض إلى إمكانية تطبيق نموذج جريدة الشعب، وإعداد مذكرة لتقديمها للنقيب ومجلس النقابة، على أن يتم دعوة الزملاء في الهيئة الوطنية للإعلام، لجلسة حوار حول الحلول المقترحة، على أن تتولى الهيئة القيام بمهامها، والحديث أيضاً على بحث إمكانيات إنشاء تعاونيات للصحف المستقلة للمساعدة في النهوض باقتصاديات تلك المؤسسات، وتوفير آلية نظام تأميني للصحفيين المفصولين من صحفهم .
كل هذه الجهود نثمن بداية طرحها، واستمرارها بعد المؤتمر الموسع الذى طرحناه لهذه القضية التي تحتاج من المزيد والمزيد من العمل من أجلها .





















