لم يعد الحديث عن الساحل الشمالي خلال الموسم الحالي مرتبطًا فقط بحجم المبيعات التي تحققها الشركات، وإنما أصبح مرتبطا بصورة أكبر بقدرة السوق على الحفاظ على معدلات النمو التي سجلتها خلال السنوات الماضية، في ظل حديث عن تراجع المبيعات، وتغير سلوك العملاء، وظهور تحديات تتعلق بالتسعير وطبيعة المنتجات المطروحة، بالتزامن مع دخول استثمارات جديدة إلى المنطقة، وفي مقدمتها مشروع الجفيرة.
وتكشف تصريحات ثلاثة من الخبراء والمتخصصين، هم مهاب حسونة العضو المؤسس بالجمعية المصرية للتسويق ورئيس شركة سيفن فيجرز للتسويق العقاري، والدكتور أحمد الحداد استشاري تطوير الأعمال، والدكتور محي عبدالسلام الخبير الاقتصادي والعقاري واستشاري تطوير الأعمال، عن زوايا مختلفة للمشهد، تتفق في أن الساحل الشمالي يمر بمرحلة تحتاج إلى قراءة أكثر دقة من مجرد مقارنة رقم مبيعات بآخر.
هل تراجع المبيعات يعكس تباطؤا حقيقيا؟
يرى مهاب حسونة، أن الحكم على أداء مبيعات الساحل الشمالي لا يزال مبكرا، خاصة أن الموسم الصيفي لم ينته بعد، ولا تزال هناك عمليات حجز وتعاقدات تتم في عدد من المشروعات، فضلًا عن وجود مشروعات لم تستكمل تعاقداتها بعد.
وأكد حسونة، أن الأرقام التي يمكن الاعتماد عليها للحكم على أداء الموسم يجب أن تكون مبنية على عقود فعلية وموثقة، بعد انتهاء الموسم ومخاطبة مختلف المطورين وتجميع بيانات مبيعاتهم، بدلًا من الاعتماد على أرقام منفردة أو غير مكتملة.
ويشير مهاب، إلى أن مقارنة مبيعات موسم بآخر لا يمكن أن تتم من خلال إجمالي الأرقام فقط، إذ يجب النظر إلى عدد المشروعات التي طرحت، وأحجامها، وطريقة طرحها، وما إذا كان المشروع يتم طرحه بالكامل أم على مراحل.
ويطرح حسونة، مثال «ساوث ميد»، الذي شهد خلال الموسم الماضي طرحًا ضخمًا وتنفيذ مبيعات كبيرة، بينما اختلفت وتيرة الطرح خلال الموسم الحالي، مع بيع مراحل جديدة بنسب أقل، وهو ما يعني أن انخفاض مبيعات مشروع بعينه لا يثبت بالضرورة وجود تراجع عام في الطلب على الساحل.
الحداد: التراجع موجود.. لكن قراءة السوق تحتاج بيانات أوسع
على الجانب الآخر، يرى الدكتور أحمد الحداد أن هناك بالفعل تراجعا كبيرا في مبيعات العقارات خلال العام الحالي، والساحل الشمالي بشكل خاص، لكنه ينتقد في الوقت نفسه الاعتماد على بعض التقارير باعتبارها صورة كاملة للسوق.
ويشير الحداد، إلى تقرير «The Board Consulting»، معتبرًا أن أرقامه لا تصلح، من وجهة نظره، كمرجع كامل لدراسة سوق الساحل، موضحا أن نحو 50% من المبيعات الواردة في التقرير حققتها 3 أو 4 شركات فقط، من إجمالي يقارب 40 مطورًا بالساحل الشمالي.
وبالتالي، يرى أحمد، أن الاعتماد على بيانات عدد محدود من الشركات لا يكفي للحكم على السوق بأكملها، متسائلًا عن جدوى بناء دراسة سوقية على نسبة محدودة من المطورين.
ولا يقف تفسير الحداد عند حدود الأرقام، إذ يحدد مجموعة من الأسباب التي يرى أنها تقف وراء تراجع المبيعات، يأتي في مقدمتها سياسة التسعير الخاطئة والمبالغ فيها، إلى جانب التركيز على المستثمرين فقط وعدم طرح منتجات مناسبة للمستخدمين الحقيقيين والأسر.
كما يلفت أحمد، إلى المشكلات التي ظهرت في نهاية الموسم الماضي، ومنها عدم التزام بعض المطورين، ووجود مشروعات لم تكن أوراقها القانونية مكتملة، فضلًا عن الوعود التي يقدمها بعض أفراد المبيعات للعملاء بتحقيق مكاسب سريعة من العقار.
ويرى الحداد، أن العقار في الأساس استثمار طويل الأجل، وبالتالي فإن تسويقه باعتباره وسيلة لتحقيق أرباح سريعة يخلق توقعات غير واقعية لدى العملاء، وقد يؤثر على قرارات الشراء وثقة المتعاملين في السوق.
تعدد البدائل يغير حسابات المستثمرين
وتقدم رؤية مهاب حسونة زاوية أخرى لتفسير تباين المبيعات، تتمثل في تغير سلوك العميل نفسه، في ظل اتساع خريطة الفرص الاستثمارية أمامه.
فالساحل لم يعد الخيار الوحيد أمام المستثمر، بحسب حسونة، إذ أصبحت هناك فرص في مدينة المستقبل، والقاهرة الجديدة، والعاصمة الإدارية، والبحر الأحمر، إلى جانب تنوع المنتجات داخل السوق نفسها، بين الوحدات السكنية والتجارية والطبية والإدارية والفندقية والشقق الفندقية.
ويعني ذلك أن السيولة الاستثمارية أصبحت موزعة على عدد أكبر من المناطق والمنتجات، وأن العميل أصبح أكثر تحوطًا في اتخاذ القرار، بدلًا من توجيه استثماراته تلقائيًا إلى الساحل الشمالي.
ومع ذلك، يرى حسونة، أن الساحل سيظل من أهم الوجهات الاستثمارية، مدفوعًا بالتطورات التي تشهدها رأس الحكمة، والبنية التحتية، والطرق والمطارات ووسائل النقل، إلى جانب الطموح لتحويل المنطقة إلى وجهة سياحية قادرة على جذب أعداد أكبر من السياح.
«جفيرة».. استثمار جديد في مواجهة سؤال الاستدامة
وسط هذه الصورة، يأتي مشروع «جفيرة» باعتباره أحد أبرز التطورات الاستثمارية الجديدة في الساحل الشمالي، مع الحديث عن استثمارات تصل إلى نحو 135 مليار جنيه.
ويرى الدكتور محي عبدالسلام، أن تطوير «جفيرة» واقتراب مستثمر إماراتي من صفقة جديدة يمثلان تطورًا مهمًا على مستوى الاقتصاد العقاري والقطاع العقاري في مصر، خاصة أن المشروع يقع بالقرب من منطقة رأس الحكمة ويمثل امتدادًا للمشروعات التنموية التي تشهدها المنطقة.
ويقدر عبدالسلام، مساحة المشروع بنحو 640 فدانًا، مع استثمارات تقارب 135 مليار جنيه، بما يعادل نحو 2.7 مليار دولار.
لكن عبدالسلام، لا ينظر إلى المشروع باعتباره مجرد استثمار عقاري جديد، وإنما يراه فرصة لتطبيق مفهوم الهندسة المالية، من خلال تحويل الأصول والديون الدفترية الراكدة إلى أصول ذات تدفقات نقدية، بما يتيح توجيه جزء من الأموال للاستثمار المباشر، والاستفادة من جزء آخر في معالجة الديون الراكدة.
من ضخ أموال إلى تدفقات نقدية مستدامة
ويرى محي، أن تحقيق أثر اقتصادي أكبر من المشروع يتطلب اختلاف آلية التدفقات النقدية عن نموذج رأس الحكمة.
فبينما ارتبطت إدارة التدفقات النقدية في رأس الحكمة بضخ أموال بصورة كبيرة ومرة واحدة، يرى عبدالسلام أن جفيرة يمكن أن تعتمد على تدفقات نقدية متدرجة، تدعم نظام المدفوعات وتغذي حساب الاستثمار الأجنبي المباشر بصورة تحقق قدرا أكبر من الاستدامة المالية.
وبحسب رؤيته، فإن هذا النوع من الاستثمار لا ينعكس على القطاع العقاري وحده، وإنما يمتد إلى قطاعات المقاولات والتشييد والصناعات المغذية، التي يقدر عددها بنحو 80 إلى 120 صناعة مرتبطة بالقطاع العقاري.
ويشير عبدالسلام، إلى أن المشروع يستهدف إيرادات إجمالية تتجاوز 275 مليار جنيه، معتبرًا أن ذلك يمكن أن يعزز القيمة الاستثمارية والتطويرية للأرض، ويدعم استدامة الكيان الاستثماري.
التحذير الأبرز.. هل يواجه الساحل خطر الفقاعة العقارية؟
رغم أهمية الاستثمارات الجديدة، يضع عبدالسلام تحذيرا واضحا يتعلق بزيادة المعروض العقاري في الساحل الشمالي، معتبرا أن المنطقة قد تواجه خطر ظهور فقاعة عقارية إذا ارتفع المعروض بصورة كبيرة في الوقت الذي ينخفض فيه الطلب.
ويشرح محي، أن عدم قدرة السوق على استيعاب حجم المعروض قد يؤدي إلى غربلة في الأسعار، بما يؤثر على قيمة الاستثمارات ويخلق ضغوطًا على السوق.
ولذلك يرى الخبير الاقتصادي والعقاري، أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى دراسات دقيقة لقدرة المنطقة الاستيعابية، وحجم المعروض والطلب على المشروعات الفاخرة، إلى جانب دراسة الكثافة السكانية والسياحية وحركة الزوار.
ويربط عبدالسلام، بين نجاح الاستثمارات العقارية في الساحل وبين قدرة المنطقة على خلق سوق سياحية خارجية قوية، مؤكدًا أهمية توجيه المنطقة نحو السياحة الشاطئية واستقطاب حركة سياحية قادرة على دعم الطلب على هذه المشروعات.
الساحل بين التراجع وإعادة ضبط السوق
وبينما تختلف قراءة الخبراء لأسباب تراجع المبيعات وحجم هذا التراجع، فإن القاسم المشترك بين التصريحات الثلاثة يتمثل في أن السوق لم تعد أمام مرحلة توسع تعتمد فقط على زيادة الأسعار وطرح المزيد من الوحدات.
فمهاب حسونة، يطالب بقراءة أرقام المبيعات بعد انتهاء الموسم وبالاستناد إلى عقود موثقة، وأحمد الحداد يلفت إلى ضرورة توسيع قاعدة البيانات وعدم الاعتماد على عدد محدود من المطورين، بينما يضع محي عبدالسلام ملف الاستدامة وإدارة التدفقات النقدية والقدرة الاستيعابية للساحل في صدارة المشهد.
وبذلك، يبدو أن التحدي الحقيقي أمام الساحل الشمالي خلال المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بزيادة حجم الاستثمارات، وإنما بقدرة السوق على تحقيق توازن بين حجم المعروض، والطلب الحقيقي، والأسعار، وثقة العملاء، والتدفقات الاستثمارية، والقدرة السياحية للمنطقة.
فالساحل الشمالي يمتلك مقومات قوية للاستمرار كواحدة من أهم الوجهات العقارية والسياحية في مصر، لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب أن يتحول النمو من مجرد زيادة في حجم المشروعات والاستثمارات إلى نمو أكثر استدامة، يعتمد على طلب حقيقي، ومنتجات مناسبة، وتسعير متوازن، وبيانات دقيقة، وقدرة فعلية على تشغيل واستيعاب هذه الاستثمارات.
اقرا ايضا: محمد رزق: صفقة «الجفيرة» تؤكد أن الساحل الشمالي يتحول لأحد أهم محركات الاستثمار بالاقتصاد المصري




















