حين كان السلطان الأشرف قايتباي الذي حكم مصر لتسعٍ وعشرين عامًا، يعاني سكرات الموت، انتهز الأمراء هذه الفرصة، وقرروا خلعه، وتولية ابنه صاحب الأربعة عشر عامًا، بغير موافَقةٍ من أبيه. توفي الأشرف قايتباي بعد ثلاث أيام فقط من إجتماع الأمراء، وتولى ابنه رسميًا، حُكم مصر، ولُقِب بالناصر محمد.
يقول بن إياس في وصف هذا الأمر: “فهذا كله قد جرى والأشرف قايتباي في النزع، لم يشعر بما وقع من هذه الأمور، ولو كان واعيًا لَمَا مَكّن الأمراء بأن يسلطِنوا ولده، ولا كان ذلك مقصده”.
كان هدف الأمراء من إختيارهم للسلطان الصغير، هو السيطرة على مقاليد الحُكم، فما عساه يفعل وهو لا يملك من الحكمة والخبرة ما يؤهله للحكم وسط مجموعة من الأمراء العِظَام.
يروى لنا بن إياس، أن السلطان الصغير كان طائشًا، يمضي وقته في اللعب واللهو والإعتداء على الناس في الشوارع، إذ قام بعد توليه الحُكم بإيام ،بضرب إمرأة، وشَهَر بها في الطريق وقد وضع على رقبتها سلسلة معدنية تسمى “زنجير”.
يقول بن إياس، أنه لما طاش السلطان، قام أحد الأمراء بإرسال أربعة من الجنود “يمنعونه من اللعب مع أولاد العوام، ومن كل تصرف سيئ، وصار أحدهم يبيت عنده كل ليلة بالقلعة، ومع ذلك فما إرعَوى، ولا حصل من هذا طائل، وزاد في الطيشان حتى خرج في ذلك عن الحد”.
إزدادت صراعات الأمراء على إدارة الدولة، والسلطان الطفل لاهٍ لا يدري من أمره شيئًا. آلت الصراعات إلى تكوين مجموعتين: واحدة يتزعمها قائد الجيش الأمير قانصوه خمسمائة، وقد أُطلِق عليه هذا الإسم لأن السلطان قايتباي كان قد إشتراه بخمسمائة دينار، والأخرى يتزعمها خال السلطان الطفل، الأمير قانصوه الأشرفي.
يروى لنا بن أياس، أن قانصوه خمسمائة الذي كان محببًا للناس، قد جَمَع مماليكه وقادة جيشه، ثم إلتقى بالخليفة، وإتفق الجميع على خَلع السلطان الطفل، وتولية قانصوه خمسمائة سلطانًا، وتمت مبايعته، ولُقِب بالأشرف أبي النصر.
فلما أرسل قانصوه خمسمائة بعضًا من أمراءه إلى القلعة للقبض على السلطان الطفل وتجريده من أدوات السلطنة، قام بعض مماليك السلطان بمواجهتهم وكان على رأسهم خاله الأمير قانصوه الأشرفي، فإنتصروا عليهم ثم توجهوا لحصار قانصوه خمسمائة، الذي دعى الناس لمساندته، فلم يستجب له أحد.
بعد يومين إثنين بالضبط، خرج قانصوه خمسمائة لصلاة الجمعة، فضربه بعض الجنود بسهم في وجهه، فسقط عن حصانِه وقد أُغمى عليه، فأجلسوه على حمارٍ وهو شبه عارٍ لا يدري، ليختفي هناك في واقعة يصفها بن إياس “بالواقعة المهولة”، فأُعيدت مبايعة السلطان الطفل، بلقَبٍ جديد هو “الأشرف”، ليكون السلطان ذو اللَقَبَيّن، ظهر قانصوه خمسمائة بعد ذلك، ثم قُتل بمعركة في خان يونس، لتمر الأيام سريعًا.
يقول لنا بن إياس، أن السلطان: “كان يوصف بالكرم الزائد والشجاعة، لكنه كان جهولًا عسوفًا، جرئ اليد، سفاكًا للدماء، سيئ التدبير، كثير العشرة للأوباش من أطراف الناس، ووقع منه أمور شنيعة في مدة سلطنته لا ينبغي شرحها، وسار في المملكة أقبح سيرة، ولم يقع من أبناء الملوك من السواقط ما وقع منه في سائر أفعاله، حتى جاوز في ذلك الحد، وكان ضعيف الحظ جدا في العلامة، وليس فيه من المحاسن إلا القليل”.
قُتِل السلطان الذي كان قد بلغ من العمر في ذلك الوقت سبعة عشر عامًا، في منطقة الطالبية بالجيزة بعد سنتين وثلاثة أشهر وتسعة عشر يومًا من حُكم البلاد، كانت أيامًا كلها فتن وشرور وحروب قائمة، كما روى لنا بن إياس.
حِتَّة مِن مَوّال
ويقولولك الحَياة دِيّه
ما تسَاويش الهَمّ والدِيّه
راح تموت بطريقة وِديّة
لو تعيش بطريقة وِديّة



















