أدت ثورة 25 يناير المجيدة إلى تعديل قانون الأحزاب السياسية، وأصبح تأسيسها بالإخطار، فيما شجعت الحالة الثورية المواطنين على المشاركة السياسية سواء كأعضاء مؤسسين لأحزاب أو كناخبين، وفي أثناء الاستحقاقات الإنتخابية وجدت الأحزاب نفسها أمام تحدي المنافسة وبناء كُتل برلمانية، وهنا بدأت الأحزاب في تدشين تحالفات، ففي انتخابات برلمان 2012 تشكل “التحالف الديمقراطي” و”الكتلة المصرية” وغير ذلك، لكن في إنتخاباتبرلمان 2015 أدى تحدي القوائم الإنتخابية إلى تراجع التحالفات، فتشكلت قائمة “في حب مصر”، وتعثرت محاولات قوائم “صحوة مصر”، و”المؤتمر”، و”الوفد المصري”، و”التيار المدني الديمقراطي”، ودفع هذا التعثر العدد الأكبر من الحزبيين والمستقلين إلى الترشح على المقاعد الفردية، ثم في أعقاب الإنتخابات شهد البرلمان تشكل تحالف “25 – 30″، فيما تحول “التيار المدني الديمقراطي” إلى “الحركة المدنية الديمقراطية”.
هذه الكُتل والتحالفات والقوائم التي تشكلت، وأيضاً التي تعثرت، مثلت كياناتيمكن اعتبارها ذات توجهات سياسية، وبالتالي فعلى الرغم من كثرة عدد الأحزاب السياسية إلا أن تحدي المنافسة الإنتخابية شكل مشهد سياسي يتكون من عدد لا يزيد عن أصابع اليد الواحدة من الكيانات والتوجهاتالسياسية، غير أنه منذ إنتخابات 2015 البرلمانية، وعلى مدار عشر سنوات شهدت إنتخابات 2020 و2025، أصبح لدينا “قوائم إنتخابية” بدون “توجهات سياسية”، وأصبحت نتيجة الإنتخابات شبه محسومة مسبقاً ومعروفة سلفاً،بسبب قوائم تفوز بـ “التزكية” ومقاعد فردية يسيطر على غالبيتها العظمي “مال سياسي” بلا أي توجه سياسي.
وبالتالي عاد الخطر السياسي من جديد، حيث لم تعد قبلة السياسة نحو مواطنين تُطرح عليهم توجهات سياسية كما كان الحال بعد 25 يناير، بل عادت الوجهة السياسية لما كانت عليه وقت جماعة مصالح الحزب الوطني نحو ما تم تسميته “الدولة” و”قائمة الدولة”، وهنا مكمن الخطر السياسي، فلا يمكن وصف قائمة أو تحالف إنتخابي أو حزب بأنه يمثل “الدولة” فالطبيعي أن كافة الكيانات والتوجهات التي يسمح لها بالممارسة السياسية وطنية وتسعى لتحقيق مصالح الدولة، وإذا كان هذا الوصف قد أستُخدم سابقاً، في ظل رئيس ينتمي لجماعة مصالح الحزب الوطني (أسقطته ثورة 25 يناير) أو رئيس ينتمي لجماعة الإخوان (أسقطته ثورة 30 يونيو)، حيث كان الخلط شائع بين النظامالسياسي والدولة، فإن الأمر الآن مختلف في ظل رئيس جمهورية لا ينتمي لأي حزب أو توجه سياسي.
فالدور الوطني الأساسي للأحزاب والحركات السياسية أنها تمثل “حلقة وصل بين المواطن والدولة”، وأكبر خطر سياسي تواجهه الدولة الآن إنما يتمثل في غياب حلقة الوصل هذه، فالأحزاب والحركات السياسية عندما تنعزل عن مساحة المواطنين وتتخندق داخل مساحة الدولة أو عندما تنعزل عن مساحة الدولة وتتخندق داخل مساحة المواطنين تتعرض الدولة لخطر سياسي، وفي كلتا الحالتين تفقد الأحزاب والحركات السياسية تأثيرها السياسي، ومن تداعيات هذا الخطر السياسي، الذي أخذ يتبلور ويزداد رسوخاً، استمرار الأداء السياسي السيء لكل من البرلمان والحكومة، فيما تحديات الوطن تتزايد والضغوط المعيشية على المواطن تتزايد، بدون أن يجد المواطن برلمان يمثله أوحكومة تشعر به، ودون أن يجد الوطن قوى سياسية تقدم له بدائل.
ومع إدراك خطورة غياب التأثير الوطني للقوى السياسية في ظل سوء أحوال المواطنين المعيشية، وإدراك الأحزاب والحركات السياسية لإشكالية فقدها القدرة على التأثير في المشهد السياسي لإفتقادها لثقة المواطنين، بدأ صوت عدد من الأحزاب والحركات السياسية “المنزوعة التأثير” يعلو تدريجياً، ويطالب الحكومة بإعادة النظر في سياساتها ومسارها، وبدأت الساحة السياسية تشهد حراكاً داخلياً على مستوى بعض الأحزاب والحركاتالسياسية، التي شهدت إنتخابات داخلية وإعادة هيكلة لتحريك المياة الراكدة، وكان من أبرز هذه التحركات التي سعت لـ “إعادة الإحياء” تحرك حزب الوفد عقب عودة الدكتور السيد البدوي لرئاسته، حيث بدأ في إحداث ما يشبه ثورة داخلية لإعادة إحياء الحزب، ثم مؤخراً تحرك الحركة المدنية لإعادة الهيكلة وتصعيد “جيل الوسط” والسعي لضم وجوه سياسية والعمل على تحديد أولوياتها، فيما ترددت أخبار عن سعي شبابي من “جيل الوسط” لتدشين حركة سياسية جديدة.
وعلى الرغم من أهمية هذا الحراك الداخلي للأحزاب والحركات السياسية إلا أن غياب تأثير الأحزاب والحركات السياسية إنما هو مجرد عرض لمرض يتعلق بغياب السياسة عن المشهد العام، وذلك بسبب عدم تمثيل الأحزاب والحركات السياسية لمصالح مجتمعية، الأمر الذي فرغ الممارسة السياسية من مضمونها،وأفقد الأحزاب والحركات السياسية دعم أصحاب المصالح المجتمعية، وبالتالي قوتها وتأثيرها.
ولذلك فإن مواجهة هذا التحدي الكلي لا تكفي معه تحركات جزئية وإصلاحات وإعادة هيكية داخل الأحزاب والحراكات السياسية، بل يتطلب الأمر تدشين الأحزاب والحركات السياسية لحراك إصلاحي جماعي موازي لما تقوم به من إصلاحات على المستوى الداخلي، بحيث يستهدف هذا المسار الإصلاحي منظومة الممارسة السياسية بشكل عام، وتحديد القضايا الأساسية ذات الأولوية التي يجب أن يتناولها الإصلاح السياسي، وهو ما يتطلب البدء بمواجهة إشكالية غياب التواصل السياسي بين الأحزاب والحركات السياسيةفيما يتعلق بالقضايا التوافقية المشتركة، وعدم المبادرة والإيجابية في بلورة مواقف سياسية مشتركة بشأن التحديات التي تواجه الوطن والمواطن، وغلبة الحسابات الإنتخابية على الحسابات السياسية، وهو ما أدى إلى خسارة مزدوجة للأحزاب والحركات السياسية “خسارة إنتخابية” و”خسارة سياسية”.
إن الدور الوطني والدعم المطلوب من القوى والأحزاب والحركات السياسيةللدولة كي تواجه هذا الخطر السياسي، إنما يتمثل في إعادة ترتيب البيت السياسي من الداخل والفطام عن “الدولة” لإعادة البوصلة السياسية باتجاهتحديات الوطن وأولوياته واحتياجات ومعاناة المواطنين، فإذا كانت التوجهات السياسية عقب ثورة 25 يناير قد طغى عليها الانقسام والاستقطاب بشأن الهوية الوطنية، وإذا كانت التوجهات السياسية عقب ثورة 30 يونيو قد طغى عليها المواجهة الوطنية والتصدي للإرهاب، فإن الدولة الآن في أمس الحاجة لتوجهات سياسية تنموية تتنافس على تمثيل مصالح فئات وطبقات المجتمع المختلفة.
فبدون سياسات تمثل مصالح مجتمعية وطنية تصبح الكيانات السياسية خاوية، ولا يصلح معها إي إصلاحات داخلية، لأن الإشكالية لا تكمن بالأساسفي داخلها، بل في عدم تمثيلها لمصالح مجتمعية تدعمها وتمنحها قوة وتأثير، فعندما تبدأ الأحزاب والحركات السياسية في بلورة سياسات تنموية تحقق مصالح الفئات المجتمعية، سيجد المواطن أمامه قوى سياسية تمثل مصالحهوتطالب الدولة بها، وستجد الدولة مصالح المواطنين ممثلة أمامها، وستجد الحكومة سياسات بديلة لتحقيق مصالح المواطنين، فيما ستجد الأحزاب والحركات السياسية أنها أصبح لها “تأثير سياسي” على المواطنين وعلى الدولة.



















