في مشهد أشبه بمشاهد الدراما؛ كانت الساعة تقترب من الثالثة فجرًا، حين أمسك الرجل بيد ابنه وقال بصوت متقطع:
«نفسي أرجع البيت.. مش عايز حاجة تانية.»
لم يطلب مالًا، ولم يطلب سيارة فارهة، ولم يتحدث عن أحلامه المؤجلة، ولا عن الأشياء التي كان يتمنى شراءها…
كان كل ما يريده أن يخرج من المستشفى، أن يعود إلى سريره القديم، إلى الغرفة التي طالما ضاق بها، وإلى الوسادة التي كان يشكو من قسوتها، وإلى صوت زوجته وهي توقظه صباحًا، وإلى ضجيج أبنائه الذي كان يتمنى أحيانًا لو يهدأ قليلًا.
لكن في تلك اللحظة.. كان كل ذلك بالنسبة إليه حياة كاملة.
نظر إلى ابنه وقال: «نفسي أنام في سريري.. وأصحى ألاقي نفسي قادر أتنفس من غير الأجهزة دي.»
ربما لم يكن الرجل في تلك اللحظة يفكر في معنى النعمة، لكنه كان يعيش معناها كاملًا.
فالإنسان لا يشعر غالبًا بقيمة الأشياء وهي موجودة.
يعتادها..
ثم يظن أنها حق مكتسب، وأنها ستظل إلى جواره إلى الأبد.
نستيقظ كل صباح فنجد أقدامنا تحملنا دون أن نشكرها، نتنفس دون أن نفكر في النَّفَس، نرفع أيدينا، نمشي، نأكل، ننام، نخرج من بيوتنا ونعود إليها، ونجلس وسط أهلنا..
كل ذلك يحدث في صمت.
ولا نكتشف قيمته إلا عندما يتغير شيء واحد، عندها فقط تتبدل قائمة الأمنيات.
الرجل الذي كان يحلم بزيادة راتبه، قد تصبح أمنيته أن يعود إلى عمله.
والذي كان يتمنى بيتًا أكبر، قد يصبح كل ما يريده أن يعود إلى بيته الصغير.
والذي كان يضيق من ضجيج أبنائه، قد يدفع عمره كله من أجل أن يسمع أصواتهم من جديد.
والذي كان يتأخر في النوم لأنه مشغول بهموم الحياة، قد يصبح النوم نفسه حلمًا.
هنا تتغير المعايير.
ضيق الرزق يصبح أهون من ضيق التنفس.
وقلة المال تصبح أهون من قلة الصحة.
وتأخر بعض الأمنيات يصبح أمرًا بسيطًا أمام أمنية واحدة: أن تستعيد عافيتك.
وهذا لا يعني أن المال غير مهم، أو أن الفقر أمر بسيط، أو أن الإنسان يجب أن يتوقف عن السعي لتحسين حياته.
على العكس..
نسعى، ونعمل، ونحلم، ونحاول أن نعيش حياة أفضل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يجعلنا السعي وراء ما ينقصنا ننسى قيمة ما نملكه بالفعل.
قد ينشغل الإنسان بقسط السيارة وينسى نعمة أنه يستطيع قيادتها.
وقد ينشغل بمساحة البيت وينسى نعمة وجود بيت يعود إليه.
وقد ينشغل بما لا يملك من المال، وينسى أنه يملك صحة تمكنه من العمل.
وقد ينشغل بالمستقبل إلى درجة تجعله لا يرى جمال الحاضر.
نحن نعدّ أموالنا.. لكننا لا نعد أنفاسنا.
نحسب ما خسرناه.. ولا نحسب كم نعمة ما زالت بين أيدينا.
نشتكي من يوم صعب.. ولا نتذكر أن مجرد الاستيقاظ في صباح يوم جديد هو فرصة لم تُمنح للجميع.
وربما لهذا نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف قليلًا، وننظر إلى حياتنا من زاوية مختلفة.
ليس السؤال دائمًا:
«ماذا ينقصني؟»
بل ربما يكون السؤال الأهم:
«ماذا أملك الآن ولا أشعر بقيمته؟»
الصحة.
العافية.
الأهل.
الأبناء.
البيت.
العمل.
القدرة على الحركة.
القدرة على التنفس.
أن تضع رأسك على وسادتك ليلًا دون ألم.
أن تستيقظ صباحًا وتستطيع أن تبدأ يومك.
هذه ليست تفاصيل صغيرة..
هذه هي الحياة نفسها.
ولذلك لا تنتظر أن تفقد النعمة حتى تعرف قيمتها.
لا تنتظر المستشفى لتكتشف أن سرير بيتك كان نعمة.
لا تنتظر المرض لتعرف قيمة العافية.
لا تنتظر الفراق لتعرف قيمة من كانوا بجوارك.
ولا تنتظر أن يصبح ما بين يديك ذكرى حتى تدرك أنه كان أجمل مما كنت تظن.
وربما كان الرجل في المستشفى، دون أن يقصد، يوجه إلينا جميعًا سؤالًا بسيطًا:
ماذا لو عرفت غدًا قيمة الشيء الذي تشتكي منه اليوم؟
ماذا لو كان راتبك الذي تراه قليلًا هو حلم شخص آخر؟
وماذا لو كان بيتك الذي تراه ضيقًا هو أمنية إنسان لا يجد بيتًا؟
وماذا لو كانت صحتك التي لا تفكر فيها هي أعظم أمنية لشخص يقضي ليله على سرير المستشفى؟
الحياة ليست خالية من النقص..
لكنها أيضًا ليست خالية من النعم.
وقد لا نملك كل ما نريد، لكننا نملك أشياء كثيرة لا نعرف قيمتها إلا عندما نفقدها.
لذلك..
احمدوا الله على ما أنتم فيه، قبل أن تعرفوا قيمة ما كان بين أيديكم.
وفي الثالثة فجرًا، ربما كان الرجل لا يريد أكثر من سريره القديم.
سريرٌ كان يراه كل يوم..
ولا يراه نعمة.
حتى أصبح بعيدًا عنه.
فلا تجعلوا النعمة تحتاج إلى غيابها حتى تشعروا بوجودها.
احمدوا الله..
فبعض ما نعتبره عاديًا اليوم، قد يكون بالنسبة لغيرنا حلم العمر.




















