يحكي لنا بن إياس، أن “المُستنصر بالله أبي تميم”، وهو الخليفة الخامس من خلفاء الفاطميين، كان قد بويع بالخلافة بعد موت أبيه وكان له من العمر سبع سنين وعشرين يومًا. كانت أحوال مصر ،آنذاك، مزدهرة بفضل حكمة وبراعة الوزير “أبي القاسم الجرجرائي” الذي إستمر في خدمة المُستنصر لتسعِ سنين.
فلما توفي أبي القاسم الجرجرائي، وكان المستنصر حينها في السادسة عشر من العمر، بدأت أم الخليفة السيدة “رصد” في التدخل في شئون الحُكم، وكانت ذات شخصية قوية ونفوذ جارف، لتتبدل أحوال البلاد والعباد.
إنخفض منسوب النيل، وبدأت المجاعة حين استشرى الغلاء والشُح والفقر لدرجة أنْ أكَلَالناس الميتة والكلاب والقطط. يروى لنا بن إياس: “قيل، أن الكلب كان يدخل دارًا، فيأكل الطفل وهو في المهد، وأمه وأبوه ينظران إليه، فلا يستطيعان أن ينهضا، لدفع الكلب عن ولدهما من شدة الجوع، ثم إشتد الأمر، حتى صار الرجل يأخذ إبن جاره ويذبحه ويأكله، ولا يُنكَر عليه ذلك بين الناس، ثم إشتد الأمر، حتى صار الناس إذا مروا في الطرقات، وقَوِيَ القَوىّ على الضعيف، فيذبحه ويأكله جهارًا.”
يقول بن إياس في موضعٍ آخر، أن الناس كان يجلسون على أسطح البيوت وفي إيديهم حبالًا بها كلاليب(*)، فإذا مر بهم أحد من الناس، ألقوا عليه الحبال، وسحبوه بالكلاليب، وذبحوه وأكلوه بعظامِه في الحال. وقيل أيضًا أن واحدًا من الوزراء كان متوجها لقصر الخليفة، فلما وصل، ترك بغلته على باب القصر، فأخذها بعض العوام وأكلوها. فلما أمسك الحراس بهم، قاموا بشنقهم وعلقوا جثامينهم على أخشاب عالية، وعند الصباح، لم يجد الحراس أحدًا من المشانيق، وقد أُكِلوا من على الخشب.
يروى بن إياس أيضًا، أنه كانت هناك حارة بها نحو عشرين دارًا يبلغ ثمن الواحد منها ألف دينار، فبيعت الحارة بأكملها مقابل طَبَقٍ من الخبز، كل دارٍ برغيف، فسُميت “حارة الطَبَق”، والحارة مازالت موجودة حتى يومنا هذا بمنطقة باب الشعرية وهي الحارة التي وُلِد ونشأ فيها عبقري التمثيل المرحوم “نجيب الريحاني”.
إنتهت الأزمة بعد سبع سنين من الشقاء، فعاد منسوب النيل للإرتفاع، وإنخفض سعر القمح، وزادت الأموال، وعَمَّ الرخاء ثانيةً.
حِتَّة مِن مَوّال
على أوِل العَتَبات وجِيت قَاعِد
أهل الشَقَا وأرض العَرَب واحِد
آدي الطَريق والحَى والأبيات
وآدي المَقام والجِيرة والشاهِد
وعَرّق مِنَدّي من سنين مِيات
مَكتوب نِقَرَّب لما نتباعِد
ونقول يا ليل والليل يقول يا مصر
(*)أدوات معدنية منحنية تشبه الخُطاف.





















