اجتمع الأمراء والقضاة بمصر لتقرير ما يتعين عليهم القيام به لإصلاح ما أفسده السلطان الصغير وأمه التي كانت تتدخل في شئون الحُكم وللاستعداد لمواجهة خطرِ غزوٍ مُحتَمل يقوم به هولاكو لمصر، فقرروا خلع المنصور وإعتقاله وأمه وحاشيته، ومبايعة قطز سلطانًا حيث لم يكن من العبيد اللذين أعتقهم إيبك وجعل منهم أمراء، لكنه كان من سبايا التتار الذين قُدِّموا إلى أيبك، ورُقْيَّ حتى صار أتابك عسكر.
يروى لنا جمال الدين بن تغري بردي في كتابه “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”، أن قطز عندما كان أميرًا أثناء حُكم أيبك، إلتقى بجماعةٍ كان من بينهم أحد المُنَجَّمين، فسأله قطز عن إسم من يتولى الحُكم بعد أيبك ويهزم التتار.
قام الرجل لعمل حسابات الفلك والنجوم، ثم عاد ليقول: لا يظهر معي سوى أن إسمه من يتكون من خمس حروف بلا نُقَط، فقال له قطز: لما لا تقول محمود بن ممدود؟ فقال الرجل: يا خَوْنَد(1) لا ينفع غير هذا الإسم، فقال قطز: أنا هو، أنا محمود بن ممدود، وأنا أكسر التتار وآخذ بثأر خالي خُوارزم شاه.
تَعَجب الحاضرون وقالوا: إن شاء الله يكون هذا يا خَوْنَد، فمنح قطز المُنَجّم ثلاثمائة دينار.
يقول بن إياس، أن قطز عندما كان في حاشية إبن الزعيم(2)، لعنه أحدهم ولطَمَه يوما على وجهه، فبكى قطز بكاءًا حارًا، وقيل له: “أمِن لَطمَة واحدة، تبكي هذا البكاء؟”، فقال: “إنما أبكي من لعنته لأبي وجَدّي، وهما أفضل منه”، وعندما سألوه: “ومن أبوك وجَدُّك؟”، قال: “أنا محمود بن ممدود، إبن أخت خوارزم شاه، من أولاد ملوك الشرق، وإنما أخذوني من جملة سبايا التتر لما وقعت الكسرة عليهم”.
وعلى هذا لم يكن قطز عبدًا. تَحَققت نبوءة المُنَجَّم التى رواها بن تغري بردي، وصار قطز سلطانًا بعد أيبك، وإنفتح قلب التاريخ لمصر بعد خيباتٍ عظيمةٍ، بنصرٍ أعظم.
حِتَّة مِن مَوّال
كُل البلاد اللي بأسمع منها والأحَياء
كُل النبات اللي رَدّ الروح وكان ترياق
وكل شيئ حَط رِيحِة مَصر في الأشياء
والأبجدية في قلبي من الألِف للياء
حَسيتها بتقول وكانت هيَّ حَاسّاني
(1)الخَوْنَد هو لفظ فارسي يقصد به الأمير أو المخدوم أو السيد.
(2)هو أحد كبار أعيان دمشق، وهو من إشترى قطز بعد أسره وأحسن إليه عندما عرف حكايته، ثم قدمه للسلطان أيبك.





















