يحكي لنا بن إياس أن “الحاكم بأمر الله”، الذي تولى حُكم مصر بعد والدهِ العزيز بن المُعز، كان يعتمد بشكل كبير في تدبير أمور القاهرة على الأمير “أبو الفتوح برجوان” الذي سُميَّت الحارة الشهيرة بحي الجمالية على اسمه، لدرجة أنه لم يكن يتصرف في شأن من شئون مصر إلا بعد الرجوع إليه.
شَعر الحاكم بأمر الله أنه كالمحجور عليه، فأرسل إلى برجوان مَن قَتَله وهو في الحمام. يحكي لنا بن إياس عن شمس الدين الذهبي(*): “فلما قُتل برجوان، صفا للحاكم الوقت، وصار يفعل أشياء لا تقع إلا من المجانين، الذين في عقلهم خلل”.
بدا الحاكم بأمر الله كما لو أن “لعنة برجوان” قد ضربت عقله، اشتُهِر الرجل شعبيًا بمنعه لزراعة وأكل الملوخية بحجة أن عائشة بنت أبي بكرٍ كانت تميل إليها، فلما مَرَّ بجماعة من الناس يأكلونها، أمر بضربهم بالسياط وطاف بهم في حواري القاهرة ثم أمر بقطع رقابهم عند باب زويلة، لم يكن أمر الملوخية هو الأكثر شططًا، فها هو بن إياس يحكي أشياء أخرى.
اتسعت قائمة ممنوعات الحاكم بأمر الله لتشمل مَنَع زراعة القرع لأن أبا بكر كان يحبه، ومنع بيع الزبيب، وأمر بحرق كروم العنب فحرق منها نحو مائة ألف كَرمة، ومنع بيع العسل الأسود والسَمَك الذي لا قِشر له (القراميط)، ونهى عن أكل الرُطَب وعن زراعة التِرمس، وأمر بقتل الكلاب فقتل منهم نحو ثلاثين ألف كلب.
يحكي بن إياس أن الرجل كان قد أمر الناس بإغلاق الأسواق نهارًا وفتحها ليلًا، ثم عَدَل عن ذلك لاحقًا. كما منع النساء من الخروج إلى الشوارع ومن التطلع من النوافذ، ومنعهن من الدخول إلى الحَمَّامَات، فلما مر يومًا بحَمَّام الذهب، سمع أصوات النساء بداخله، فأمر بإغلاق باب الحَمَّام عليهن إلى أن مِتنَ جميعا، وربما كان ذلك هو أصل المَثَل الشعبي: “اللي اختشوا ماتوا”، وإن ذَهَب البعض إلى ترجيح حدوث تلك الحكاية في عهد العثمانيين، حين إشتعلت النار في حَمَّام للنساء، فخَجِلنَ من الهرب عرايا، ومِتنَ جميعًا.
حِتَّة مِن مَوّال
يعلموني المَناظِر والسَفَر في الطِين
والزقزَقَة في العَلالي بتطرّح الأمْهَات
والشمس والمَيَّة نازلة بتِجري ع القَمْحَات
كُل اللي تَحت النَظَر لما إختشى، قام مَات
(*)هو أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايِمَاز ابن الشيخ عبد الله التركماني الفارقي الشافعي. مُحدِّث وإمام ومؤرِّخ. جمع إلى جانب الإحاطة الواسعة بالتاريخ الإسلامي حوادث ورجالًا، بالمعرفة بقواعد الجرح والتعديل (فرع من فروع الحديث، يبحث فیه عن أحوال رواة الحديث من حيث توافر شروط قبول رواياتهم من عدمه)، وقيل أنه سُمي بالذهبي لأنه كان يزن الرجال كما يزن الجواهري الذهب. كان شديد الميل إلى رأي الحنابلة، وقد بلغت مؤلفاته التاريخية وحدها نحو مائتيكتاب.





















