شهدت السنوات الأخيرة تصاعدًا لافتًا في معدلات أعراض الاكتئاب بين المراهقين في الولايات المتحدة، وهو ما دفع الباحثين إلى التساؤل: هل نحن أمام موجة مؤقتة من الضغوط النفسية، أم تحول حقيقي في صحة الأجيال الجديدة يمتد من سن المراهقة إلى مرحلة الشباب؟

الاكتئاب عند المراهقين
دراسة حديثة منشورة عبر PubMed اعتمدت على بيانات طويلة المدى من المسح المعروف باسم “مراقبة المستقبل” (Monitoring the Future)، وهو أحد أكبر الدراسات التي تتابع سلوك وصحة طلاب المدارس الثانوية الأمريكية منذ عقود.
الدراسة حللت بيانات تمتد من عام 1990 حتى 2019، وشملت أكثر من 36 ألف مشارك من مواليد ما بين 1972 و2001، مع متابعة حالتهم النفسية من عمر 18 عامًا وحتى أوائل العشرينات.
وتُظهر النتائج بوضوح أن أعراض الاكتئاب ارتفعت بشكل ملحوظ بين الأجيال الأحدث، خصوصًا بين مواليد أواخر التسعينيات وبداية الألفية.
ففي أحدث مجموعة مواليد (1997–2001)، وصلت نسبة الإناث اللواتي عانين من أعراض اكتئابية شديدة عند سن 18 عامًا إلى نحو 19%، وهي نسبة أعلى من أي جيل سابق تم رصده في الدراسة. أما بين الذكور، فقد بلغت النسبة حوالي 13% في نفس العمر.
نرشح لك: جمال فرويز لـ”الحرية”: الاكتئاب الحاد قد يقود إلى قرارات خطيرة
لكن اللافت في الدراسة ليس فقط ارتفاع الأرقام في سن المراهقة، بل استمرار تأثيرها لاحقًا، فبينما انخفضت الأعراض قليلًا لدى بعض الإناث عند الوصول إلى سن 21–22 عامًا، إلا أنها ظلت أعلى من الأجيال السابقة في نفس المرحلة العمرية.
أما الذكور، فكانت الصورة أكثر وضوحًا، حيث أظهرت البيانات أن معدلات الاكتئاب استمرت في الارتفاع خلال مرحلة الشباب بدل أن تنخفض.

وتشير التحليلات الإحصائية إلى قوة العلاقة بين وجود أعراض اكتئابية شديدة في سن 18 عامًا وبين استمرارها لاحقًا في الحياة المبكرة.
إذ وُجد أن الذكور الذين عانوا من أعراض حادة في سن 18 كانوا أكثر عرضة بأكثر من 10 مرات لظهور الأعراض مرة أخرى في سن 19–20، بينما استمرت هذه الخطورة عند الإناث أيضًا ولكن بدرجات مرتفعة تصل إلى أكثر من 9 مرات في نفس الفئة العمرية.
وبحسب الباحثين، فإن هذه النتائج لا تعني فقط أن الاكتئاب أصبح أكثر شيوعًا بين الشباب، بل تشير إلى أن الأزمة النفسية بدأت في سن مبكرة وتستمر في التمدد مع انتقال الفرد إلى مرحلة البلوغ المبكر. وهذا ما يطرح تساؤلًا مهمًا: هل تتحول “أزمة الصحة النفسية للمراهقين” تدريجيًا إلى “أزمة صحة نفسية للشباب البالغين”؟
وتضيف الدراسة أن جزءًا كبيرًا من حالات الاكتئاب في سن 21–22 يمكن ربطه بأعراض ظهرت بالفعل في سن 18، حيث أشارت التقديرات إلى أن أكثر من نصف الحالات في أحدث الأجيال كانت مرتبطة ببدايات مبكرة للاضطراب النفسي.

ورغم قوة النتائج، إلا أن الباحثين يؤكدون أن الصورة لا تزال معقدة. فهناك عوامل متعددة قد تفسر هذا الارتفاع، مثل الضغوط الاجتماعية المتزايدة، التغيرات في نمط الحياة، الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى التحديات الاقتصادية والتعليمية التي يواجهها الجيل الجديد بشكل مختلف عن الأجيال السابقة.
وفي النهاية، لا تقدم الدراسة إجابة نهائية بقدر ما ترسم صورة مقلقة: جيل جديد يدخل مرحلة البلوغ محمّلًا بعبء نفسي بدأ في سن مبكرة، ويبدو أنه لا يتوقف بسهولة عند حدود المراهقة.
وهذا ما يجعل السؤال مفتوحًا أمام الباحثين وصناع القرار:هل نحن أمام “زيادة وعي وتشخيص أفضل”، أم أمام تفاقم حقيقي في أزمة الاكتئاب بين الأجيال الجديدة؟
نرشح لك: بعد واقعة فتاة الإسكندرية.. طبيب نفسي يفسر لـ”الحرية” أسباب الاكتئاب الحاد واليأس الشديد





















