في الدول التي تملك حياة سياسية حقيقية، لا تكون السياسة مجرد صراع على المناصب، بل وسيلة طبيعية لإدارة المجتمع، وتصحيح الأخطاء، وإنتاج البدائل قبل أن تتحول الأزمات إلى جدران مغلقة، فالدولة لا تستقر فقط عبر الإدارة، ولا عبر السيطرة وحدها، بل بوجود سياسة قادرة على إنتاج نخب، وخلق مساحات للنقاش، والسماح بتداول الأفكار والمسؤوليات بصورة طبيعية.
لكن ما يحدث في مصر منذ سنوات يبدو مختلفًا، فالمشكلة لم تعد فقط في ضعف الأحزاب أو محدودية المعارضة، بل في تراجع السياسة نفسها باعتبارها فعلًا حقيقيًا مؤثرًا في المجال العام، حتى أصبح المشهد أحيانًا وكأنه يحتفظ بشكل السياسة.. بينما يتآكل جوهرها تدريجيًا خلف الستار.
في أي نظام سياسي طبيعي، تُنشأ الأحزاب بهدف واضح: الوصول إلى السلطة أو المنافسة عليها، فالأغلبية تحكم، والأقلية تعارض وتستعد لتقديم نفسها كبديل محتمل، هذه ليست رفاهية نظرية، بل القاعدة التي تمنح السياسة معناها، وتجعل المواطن يشعر أن صوته يمكن أن يغيّر شيئًا، وأن السلطة ليست قدرًا ثابتًا بل مسؤولية قابلة للمحاسبة والتداول.
لكن المفارقة في المشهد المصري أن كثيرًا من الأحزاب — سواء في الموالاة أو المعارضة — لا تتحرك أصلًا باعتبار أن السلطة هدف سياسي ممكن، فالأحزاب القريبة من الدولة لا تبدو منشغلة ببناء مشروع حكم حقيقي بقدر انشغالها بالحفاظ على التوازن القائم، بينما تتحرك قطاعات من المعارضة داخل حدود اعتادت البقاء فيها، حتى أصبح سقف البقاء أهم من فكرة التغيير نفسها.
وهنا لا تصبح الأزمة مجرد أزمة معارضة ضعيفة أو سلطة قوية، بل أزمة سياسة فقدت معناها التنافسي تدريجيًا، لأن الأحزاب التي لا تتحرك باعتبار أن الحكم هدف محتمل، تتحول مع الوقت من أدوات للتغيير إلى مكونات داخل المشهد نفسه، تؤدي أدوارًا مختلفة، لكنها تتحرك جميعًا داخل معادلة مستقرة سلفًا.
وربما كان هذا نتيجة طبيعية لمسار طويل جرى فيه إضعاف المجال العام نفسه، فحين تتراجع الأحزاب، وتضعف النقابات، وتنكمش المساحات القادرة على إنتاج قيادات جديدة، يصبح من الصعب على أي نظام سياسي أن يجد نخبًا يثق فعلًا في قدرتها على الإدارة أو تحمل المسؤولية. ومع الوقت، يتحول الاعتماد تدريجيًا من السياسة إلى الإدارة، ومن التنافس إلى التحكم، ومن إنتاج البدائل إلى الحفاظ على الاستقرار القائم بأي صورة ممكنة.
لكن الإدارة وحدها لا تصنع سياسة، والاستقرار الذي يقوم على غياب البدائل ليس استقرارًا كاملًا، بل حالة تجميد طويلة للحركة السياسية، لأن السياسة ليست رفاهية، ولا مجرد ديكور دستوري، بل الآلية التي تملك المجتمعات من خلالها القدرة على مراجعة نفسها بصورة طبيعية وسلمية، وحين تضعف هذه الآلية، لا تختفي الأزمات، بل تتراكم بصمت، بينما تتسع الفجوة بين المواطن والدولة، ويتراجع الإيمان بإمكانية التغيير نفسها.
ولهذا، لم يعد غريبًا أن ينظر كثير من الناس إلى السياسة باعتبارها شيئًا بعيدًا عن حياتهم، أو عاجزًا عن التأثير الحقيقي في أزماتهم اليومية، فالمواطن الذي لا يرى أحزابًا تتنافس على الحكم، ولا معارضة قادرة على الضغط، ولا نخبًا تطرح بدائل حقيقية، يفقد تدريجيًا ثقته في أن المجال السياسي يمكن أن ينتج حلولًا أصلًا.
فالمجتمع الذي يفقد ثقته في السياسة، لا يفقد فقط إيمانه بالأحزاب، بل يفقد تدريجيًا إيمانه بإمكانية التغيير نفسها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن أخطر ما يمكن أن يصيب أي دولة ليس وجود معارضة ضعيفة، ولا حتى اتساع نفوذ السلطة، بل أن يصل المجتمع إلى مرحلة يتوقف فيها عن الإيمان بأن السياسة قادرة أصلًا على تغيير أي شيء.
فالدول الكبيرة لا تُدار إلى الأبد بالحلول الإدارية وحدها، ولا بالاستقرار المؤقت، بل بحياة سياسية حقيقية قادرة على إنتاج الثقة والتوازن والبدائل، أما حين تتحول السياسة إلى مجرد حضور شكلي بلا تنافس فعلي، يصبح المشهد كله أقرب إلى “سياسة بلا سياسة”.





















