وأنا أعيد قراءة أحد كتب تاريخ الفلسفة السياسية، استوقفتني حقيقة لافتة؛ فالأفكار التي حكمت العالم عبر القرون لم تكن مجرد تنظيرات أكاديمية معزولة عن الواقع، بل كانت قوى دافعة للتاريخ، تصوغ الدول، وتحرك الثورات، وتعيد تشكيل المجتمعات. فمن جمهورية أفلاطون، إلى العقد الاجتماعي عند روسو، ومن الليبرالية الكلاسيكية إلى الاشتراكية والقومية، ظل الإنسان يبحث عن الإجابة عن سؤال جوهري: كيف ينبغي أن يُحكم المجتمع؟
غير أن المتابع للمشهد السياسي المعاصر قد يتساءل: هل ما زالت الأيديولوجيا تؤدي الدور نفسه الذي أدته في الماضي؟ أم أن السياسة في عالم اليوم أصبحت أكثر براغماتية وأقل ارتباطًا بالمرجعيات الفكرية الكبرى؟
لقد شهد القرن العشرون صعود الأيديولوجيات الكبرى بوصفها القوة المحركة للحياة السياسية. فقد انقسم العالم بين الرأسمالية والاشتراكية، وتنافست التيارات القومية والليبرالية والدينية على كسب العقول وتوجيه المجتمعات. وكانت الأحزاب السياسية تُعرّف نفسها من خلال مرجعيات فكرية واضحة، بينما كان الناخب يختار ممثليه انطلاقًا من قناعات أيديولوجية راسخة.
إلا أن العقود الأخيرة حملت تغيرات عميقة. فبعد نهاية الحرب الباردة، سادت قناعة بأن الصراع الأيديولوجي قد انتهى، وأن السياسة أصبحت أقرب إلى فن إدارة المصالح وتحقيق النتائج. لم يعد المواطن يسأل فقط عن المبادئ والشعارات، بل أصبح أكثر اهتمامًا بقدرة الحكومات على تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، وضمان الأمن والاستقرار.
وقد انعكس ذلك على أداء الأحزاب السياسية التي اتجه كثير منها نحو الوسط، وتخلت عن بعض مواقفها الفكرية الحادة سعيًا إلى توسيع قواعدها الانتخابية. فأصبح اليمين أكثر مرونة في تبني سياسات اجتماعية، بينما قبلت بعض تيارات اليسار بآليات السوق التي كانت ترفضها في السابق.
لكن إعلان نهاية الأيديولوجيا يبدو حكمًا متسرعًا. فالأفكار لا تموت، بل تتغير أشكال حضورها. وما نشهده اليوم هو انتقال من الأيديولوجيات الشاملة إلى أيديولوجيات أكثر ارتباطًا بقضايا الهوية، والهجرة، والبيئة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الأقليات. كما أن صعود الشعبوية في العديد من دول العالم يعكس أن السياسة لا تزال تحتاج إلى سرديات كبرى قادرة على التعبئة والحشد.
وقد لعبت المنصات الرقمية دورًا مهمًا في هذا التحول. فمن جهة، أتاحت المجال لتعدد الأصوات وتنوع الأفكار، لكنها من جهة أخرى عززت الاستقطاب، وخلقت ما يُعرف بـ«الفقاعات المعلوماتية»، حيث يعيش الأفراد داخل دوائر مغلقة تعيد إنتاج قناعاتهم وتحد من فرص الحوار الحقيقي.
وفي العالم العربي، تبدو المسألة أكثر تعقيدًا. فالتحديات الاقتصادية وضغوط الحياة اليومية جعلت قطاعات واسعة من المواطنين تميل إلى تقييم الأداء السياسي وفق قدرته على تحقيق الاستقرار والتنمية، أكثر من ارتباطه بالشعارات الفكرية. ومع ذلك، لا تزال الهوية والقيم والانتماءات الثقافية والدينية تؤثر بدرجات متفاوتة في تشكيل المواقف السياسية.
إن السياسة لا يمكن أن تكون مجرد إدارة تقنية للشأن العام، كما لا يمكن أن تقوم على الشعارات المجردة بعيدًا عن الواقع. فالأيديولوجيا تمنح العمل السياسي رؤية وقيمًا واتجاهًا، بينما توفر البراغماتية القدرة على التكيف والاستجابة لمتطلبات العصر. والتحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن بين المبادئ والمصالح، وبين الوفاء للقيم والمرونة في الوسائل.
وفي النهاية، ربما يكون السؤال الأدق ليس: هل تراجع دور الأيديولوجيا في السياسة؟ بل: كيف أعادت الأيديولوجيا تشكيل نفسها لتواكب عالمًا أكثر تعقيدًا؟ فالأفكار الكبرى قد تخفت أحيانًا، لكنها لا تختفي. إنها تتغير، وتعيد إنتاج ذاتها، وتظل حاضرة في كل محاولة إنسانية للإجابة عن السؤال الأبدي: كيف نبني مجتمعًا أكثر عدلًا وكرامة انسانية

















