كتب: إسلام أسامة
يرى بعض المُراقبين للمشهد السياسي المصري، أن السياسي المُعارض وعضو البرلمان السابق “أحمد الطنطاوي”، أبرز كادر سياسي على الساحة، إن لم يكن السياسي الوحيد، بينما يعتبره آخرين من النخب السياسية والإعلامية، لا يُعدو كونه مُراهقًا سياسًا، خاصة منذ إعلان “الطنطاوي”، عزمه على خوض الانتخابات الرئاسية 2024، ويجري التعامل مع خطابه ومشروعه السياسي، بنوع ممنهج من التهميش والتقليل الإعلامي، وتتردد المقولة الأثيرة، بين الحين والآخر؛ أن مصر كبيرة على “الطنطاوي”.
قد يبدو لنا أن لتلك الرؤيتان بعضًا من الوجاهة، بغض النظر عن الموقف السياسي والشخصي، فبالنظر إلى مشهد سياسي واجتماعي، تم تدجينه بالكامل في إطار، لا صوت يعلو فوق صوت “الحرب على الإرهاب”، حيث مثلت تلك المرحلة تكوين وثَقل خبرات أحمد الطنطاوي، من خلال تجربته البرلمانية الفريدة، كأبرز نائب في تحالف 25/30 المعارض، حيث صعد نجمه، وحظى بشعبية واسعة في دائرته عن محافظة كفر الشيخ، كما انتشرت له مقاطع ولقاءات مُصورة مُعارضة في قضايا وطنية واجتماعية عديدة مثل مسألة بيع جزيرتي تيران وصنافير، وضريبة القيمة المضافة، وتحرير سعر الصرف الدولاري، وأزمة سد النهضة، والتعديلات الدستورية 2019، حيث بدا أن الاشتباك العاقل مع خطاب وممارسة السلطة من قبل “الطنطاوي”، جعله كأنه جاء من بعيد مُلوحًا بخطاب سياسي رصين، في ساحة مُجرفة ومُنهكة من التضييق والخوف.
فبدا أن استبعاد “الطنطاوي” عن قبة البرلمان في انتخابات 2020م، رغم إعلانه الفوز بها، كأنما انقلب السحر على الساحر، حيث تفرغ لرئاسة حزب الكرامة، والكتابة الصحفية، لا سيما الدراسة كباحث في الشؤون السياسية، لذلك نفهم لماذا يعتبره البعض، بأنه السياسي الوحيد، حيث نما خطاب “الطنطاوي” بخطى تصاعدية ومُتدرجة، لا تخلو من حذر وحذق طبقًا للقراءة السياسية والاجتماعية للمشهد المصري، ربما جعلته تلك المسيرة مُتفردًا ومُختلفًا عن الحناجر المُعتادة، مما أكسبه رصيد عند بعض النُخب السياسية والشبابية والفئات الشعبية المختلفة، في ظل مجال عام مُفرغ من الخطابات السياسية.
وعلى النقيض، يبدو أن الالتفاف إلى الرؤية المُشككة في أهلية ترشح “الطنطاوي” من الأساس، مدخلًا مشروعًا للتساؤل حول مشروع “الطنطاوي” في ضوء المشهد العام، حتى وإن كان من غير المُرجح إقامة انتخابات رئاسية بمعناها الحقيقي الجاد، فلا يوجد أي مؤشر أن السلطة السياسية الحالية ترى جدوى من إجراء تحولات سياسية كبيرة في نمط السلطوية التنافسية.
هنا قد نتسائل: ما الذي يجعل من الانتخابات عرسًا هزليًا بشكل حتمي؟ وما إذا افترضنا قدرة المرشح المحتمل “أحمد الطنطاوي” على الفوز بالانتخابات الرئاسية، هل هو مؤهل لحكم دولة بحجم مصر؟، وهل يُجهض الأمل في حالة خسارة “الطنطاوي” أو منعه من السباق “الانتخابي“؟.
طواحين الهواء: هل يوجد طريق إلى الصندوق؟.
لا أحد يجد صعوبة في معرفة الرأي العام المُجمع عليه داخل الحركة المدنية، والقابع في الذهن المُعارض بشكل صريح أو ضمني، حول حتمية استمرار السلطة الحالية، ومفاد ذلك أن المناخ العام لا يسمح بانتخابات حرة ونزيهة، كما أن الأجهزة الأمنية تتحكم في الحياة الحزبية عن طريق المال السياسي، وأحزاب الموالاة، في ضوء مؤسسات الإعلام الرسمي والخاص المُوجه أمام الإعلام الحر المُكبل.
ونتيجة للقبضة الأمنية الغاشمة، يغيب التكتل التنظيمي عن الأحزاب المدنية، ولا يبقى لديها سوى إثبات الموقف، مثلما عبرت الحركة المدنية الديموقراطية في مؤتمرها الصحفي الأخير، عن أن الإنتخابات محسومة النتائج مسبقا، في ظل المشهد الراهن من الإنتهاكات الجارية والحثيثة في منع تحرير التوكيلات الرئاسية لمرشحي المعارضة.
جاء ذلك المشهد بعد مناخ أقيمت فيه فاعليات الحوار الوطني الذي بدأ الانعقاد في مايو السابق، تبعًا لدعوة رئيس الجمهورية، حيث روج إلى ضرورة الإصلاحات الديموقراطية، وحرية الرأي والتعبير، لكن فيما يبدو أن الاستحقاق الانتخابي خارج الحسبان، ونتج عن كل ذلك قناعة راسخة بأن المشاركة في أي مشهد دستوري، يُعد كومبارسًا يؤدي دوره في المسرحية، لكن ما لم يلاحظه أصحاب ذلك الرأي، أن السلطة هي من تسعى جاهدة في جعل كل مناسبة حدثًا هزليًا، ولكن ذلك لا يجعل إعدادهم المُسبق وكأنه عملية خلق إلهي، إذ يظل التاريخ البشري إنسانيًا، يتحرك واقعه الاجتماعي بناءً على المعطيات والمساحات الممكنة.
لذلك لم يسع أحد من النخب والأحزاب المعروفة لإبداء نية وجاهزية، سوى “الطنطاوي”، والذي أعلن نيته في تحدي المعوقات، ومحاولة كسر حاجز الخوف مجددًا، وانتزاع الحق الدستوري الذي لا تمنحه السلطة مجانًا، وهكذا كان موقف “الطنطاوي” مصدرًا للإزعاج وتعكير صفو العرس الانتخابي، فجاءت الطرق القديمة في التضييق المستمر الذي قد يصل للمنع المباشر من استيفاء شروط الترشح.
ربما تكون الحجارة التي ألقاها “الطنطاوي” في البركة الراكدة، قد أثارت الانتباه الجاد نخبويًا وشعبيًا في القراءة الأولية، من خلال الجولات واللقاءات وتدشين حملته الانتخابية، التي تتبلورت في كل مكان، ورفع شعار الأمل في تغيير النظام السياسي الجمهوري إلى مربع التحول الديموقراطي.
وتبقى الأزمة الاقتصادية الحادة هي الخلفية المفصلية التي فتحت ثغرة سياسية، للتحرك والمشاركة الجادة، حيث أن التعنت في استمرار المشاهد الهزلية، كما حدث في انتخابات 2018، والذي يتوقع أن تُعمق من أزمة الاستياء الشعبي، وتململ المفاصل الاجتماعية، كما تهز ثقة المؤسسات القائمة.
الحماية من الثورة: هل أصبح المرشح المدني داعيًا للاستقرار؟.
بيد أن الفترة الزمنية التي اتخذها “الطنطاوي” في الإعداد لخوض الانتخابات عندما غادر البلاد إلى لبنان، مكنته من استباق المشهد الانتخابي من باكورته، حيث ظهر بطابع الجدية والعزم في الاشتباك الفاعل في الاستحقاق الانتخابي، مما ألهب حماس النواة الأولى لحملته الانتخابية.
فيما أعربت عدة أصوات من النخب السياسية والإعلامية، عن أن “الطنطاوي لا يصلح لتولي مسئولية دولة بحجم مصر”، بزعم أن ما يُناسب مصر لابد أن يكون من دولاب الدولة.
وعلى الرغم أن منطق ذلك الكلام، يُفترض أن ينتمي لحقبة ما قبل ثورة يناير، إلا أنه من المفيد طرح السؤال على نحو نقدي وجاد، قد يفهمنا إطار مشروع “الطنطاوي”، وتقييم صلاحيته لبنية الدولة الوطنية، لذا لو افترضنا أن “الطنطاوي” أصبح رئيسًا لمصر، فهل تبدو مصر كبيرة عليه؟.
يمكننا تلخيص ملامح البرنامج الانتخابي للطنطاوي مما صرح به، في مشروع قوامه الإصلاح السياسي والقانوني بهدف التحول إلى دولة ديموقراطية، حيث يراهن على صلاحية التغيير من داخل بنية الدولة، على منطق البناء وليس الهدم، هنا يكمن جوهر مشروع الطنطاوي للخروج من الأزمة الطاحنة اقتصاديًا واجتماعيًا، عن طريق التحول الديموقراطي، والذي يرتئي أن مدخله يُكمن في البُعد السياسي، الذي يُمهد الطريق إلى إصلاح المؤسسات وضمان استقلاليتها، وتجذير القانون وضمان سريانه، وتعميق مبدأ المواطنة.
وتنبع راهنية الطريق إلى الديموقراطية في مشروع “الطنطاوي” من قلب رموز ومفاهيم الدولة الوطنية، عن طريق دمقرطة هيكلها، أي أنه يقوم على الإيمان بالنضال الدستوري الإصلاحي، تحت مظلة دستور 2014، فبذلك يكون مشروع ديموقراطي لجمهورية جديدة مضادة للسلطوية القائمة لكنها في نفس القالب.
من هنا يظهر لنا ارتكاز برنامج الطنطاوي على الفاعليين السياسيين والاجتماعيين، حيث يعتمد على أبحاث ما تسمى بعلم الانتقال، أي التحول من السلطوية إلى طريق الديموقراطية بشكل مباشر، والتي أرساها المفكر السياسي الألماني “دانكوارت روستو“ (1924- 1996)، عبر مركزية إرادة النخب الفاعلة. حيث أجريت هذه الدراسات والبحوث على تجارب أمريكا اللاتينية وجنوب أوروبا في السبعينات وشرق أوروبا في التسعينات، التي نجحت في الانتقال من السلطوية إلى الديموقراطية.
ومن خلال تلك الرؤى نفهم طبيعة رهان “الطنطاوي”، الذي ينتقد السردية الثورية التي مفادها أن التغيير لن يأتي عن طريق صندوق الإقتراع في ظل عدم وجود ضمانات النزاهة والحيادية من الدولة والمال السياسي، حيث يعتمد خطابه على جذب خطان فاعلان، الأول؛ هم النخب البيروقراطية داخليًا والنخب السياسية في الدول الإقليمية، حيث تقوم تلك الاستراتيجية على رصد التململ في أجهزة الدولة وعلاقات المصالح الإقليمية، مما يفرض أصواتًا راغبة في الإصلاح الداخلي، من هنا يسعى “الطنطاوي” إلى مخاطبة المعتدلين من النخب السياسية والبيروقراطية، لحثهم على عزل المتطرفين الذين يورطون الدولة ومؤسساتها في مصير يُهدد الأمن العام، كي يتساوموا ويتفاوضوا حول الالتقاء عند التحول الديموقراطي الذي يحمي البلد والمصالح من تلك المآلات.
والخط الثاني وهو الأشد حسمًا متمثلًا في الوصول إلى الشعب، بما يمثله من قوام العملية الديموقراطية لمشروعه، ففي ظل الأوضاع الاقتصادية المشهودة السوء، وما تعكسه من حالة استياء شديدة في النفس الاجتماعية، يقوم خطاب “الطنطاوي” على نقد ممارسة السلطة وأداءها السياسي والإقتصادي خلال مدة مسئوليتها، والذي يحملها غلق أبواب الأمل في التغيير والإصلاح السلمي، مُحذرًا من سيناريوهات الثورة وعدم الاستقرار، التي تدفع إليها ممارسات السلطة في التحقق عاجلًا أم أجلًا.
رغم ذلك، لا تتضح رؤية “الطنطاوي”، عندما يصبح رئيسًا للجمهورية حول المقاربات التحديثية التي ترتبط بالانتقال الديموقراطي، مثل النمو الاقتصادي والتمديُن والتعليم والتصنيع، والتي توافرت في بعض التجارب المشار إليها تحت حكم السلطوية، وكانت طبقًا لرؤية المفكر السياسي الأمريكي “سيمون ليبست“ (1922- 2006)، من الشروط المسبقة لنشأة الديموقراطية.
لذا هناك العديد من التحديات والمعوقات الصفرية، أمام “الطنطاوي” وهو على كرسي الحكم الذي يريده كرسي موظف يعمل عند الشعب، على الرغم من الخطاب المطمئن اتجاه البيروقراطية والمؤسسات، في هدف الإصلاح والبناء، لا الانتقام، وفي الحفاظ على الاستقرار لا الفوضى، يظل تضخم البيروقراطية المصرية عصيًا على الولاء، سوى للمخيال السياسي لقائد عسكري يكون الأصلح دائمًا لتولي مسئولية التنمية.
كما أن خطابه المُطمئن للقطاع الخاص والاستثمار، غير كاف لمواجهة التقليد السياسي المرتبط بشبكات مصالح موالية قائمة على الزبونية، والأهم أن تصريحاته حول السياسات الاقتصادية، لا تتخطى كونها إجراءت ضيقة، لا سياسات اقتصادية واضحة المعالم -حتى الآن- فافتراض بدء تطبيق المبادئ الديموقراطية في رئاسة “الطنطاوي”، لا يعني على الإطلاق وجود حلول سحرية للمشكلات الاقتصادية والسكانية، بل أن مقاربات التحديث هي ما تعزيز الانتقال، حيث أن فشلها، يُعد مؤشرًا للإرتداد إلى السلطوية.
لذلك نجد أن دراسات تجارب الانتقال، ليست كافية لفهم تطور شروط نشأة الديموقراطية، التي تختلف تبعًا للظروف التاريخية والبنيوية لكل بلد، فإذا تشابهت الأوضاع، فلا تعنى وجود خطوات بعينها لشق طريق محدد، بل أن التجربة خلال محاولة فهم الواقع، تكشف وتعلم كيفية التهيئة والسعي لها، مع أهمية إرادة الفاعلين السياسيين.
يمكننا القول أن الانتقال إلى الديموقراطية هو مشروع ذو علاقة شرطية بمتغيرات التحديث، بداية من النمو الاقتصادي، واتساع الطبقة الوسطى، وزيادة نسبة التعليم والتحضر والإنتاج، فطبقًا لعالم الاجتماع الأمريكي “بارينجتون مور“ (1913- 2005)، تكون اختيارات وتفضيلات النخب غير مفهومة كأنها تحدث في الفراغ، بدون سياق اجتماعي يحدد النطاقات المتاح بها اختيارات الفاعليين، فمن تلك الوجهة يكون التغيير الديموقراطي مصاحبًا أو نتاجًا لتغيرات عميقة في تلك البنية، كما وجود الرئيس على الكرسي، في إرث السلطوية يرتهن بناء تحالفات واسعة اجتماعية وإقليمية ودولية، قادرة على دعم التجربة الوليدة والتنموية، مما يُعزز من القيم الديموقراطية، ويضمن استمرارها.
يحيا الأمل: هل بالأمل وحده يحيى الإنسان؟.
من خلال المتابعة القريبة لـ “معركة“ التوكيلات بتعبير المؤرخ المصري “خالد فهمي”، نستطيع القول أن شعار الأمل، لا يطير بعيدًا عن الحركة والعمل على ارض الواقع، والذي يبدو أنه لاقى استجابة مقبولة، خاصة ربط نواة الحملة الانتخابية وأنصار “الطنطاوي” في محافظات الجمهورية.
ربما لا يُرجح استمرار الطنطاوي أمام الموانع الحثيثة، ويبدو أن “الطنطاوي” نفسه يفهم طبيعة المحاولة جيدًا، ولا يكتفي بالنظر أسفل قدماه، بل يسعى على حسب قوله، إلى أن يجعل الانتخابات نقطة تحول، قبلها ليس كبعدها، فحتى مع خسارة أو منع “الطنطاوي” من السباق الرئاسي، تكون فرصة وجود صوت عالي أمام السلطوية في خضم الاستياء الشعبي، نذيرًا بميلاد حركة احتجاجية.
هنا يبدو أن الأمل مشوار طويل وشاق، حتى يتم فتح الدائرة المغلقة، كي تصبح خطًا مستقيمًا صوب الأمام، فالتاريخ كما تعلمنا لا يجري عبر الأمنيات، بل أن للحركة والمشاركة الإيجابية أثرًا، حتى لو ضئيلًا في الوعي الجمعي، ففي النهاية هي نقطة إضافية مُكتسبة، كما تُعد مشاركة المرشحين المعارضين جميلة إسماعيل وفريد زهران محاولة لحجز مساحة للمشاركة السياسية المشروعة في المستقبل، وذلك أفضل واقعيًا من المقاطعة السلبية أو العدمية السياسية.
وكما كل الجهود التي تسمح بالاشتباك مع المخيال التقليدي سواء المؤسسي أو للثقافة الشعبية السائدة، حيث أن مفهوم الولاء والسلطوية متجذر بالأساس في روابط العائلة والمدرسة والمؤسسة الدينية إلى الدولة، لذا فكل خطوة تشكل فاعلية في الحاجة إلى الثقافة الديموقراطية في المجتمع والدولة مرحبًا بها.
فكما قيل؛ “لا ديُموقراطية بدون ديُموقراطيين”.





















