الخية هي واحدة من أدوات وشراك الصياد التي يستخدمها للإيقاع بفريسته وإدخالها ضمن مجال سيطرته ونفوذه، ولأنها أداة مبناها الخداع والمخاتلة، فإنها تتخذ عادة مظهرًا متوائمًا مع السياق الذي تندرج ضمنه، ولا تكشف عن خبيئتها في جميع الأحوال، بل وقد تنطوي أحيانًا على بعض المغريات، حتى إذا ما اطمأنت الفريسة وانجذبت إليها ودخلت مدفوعةً أو مختارةً إلى مجالها الحيوي، إذ بها فجأة تطبق عليها ولا تفلتها إلا إذا شاء لها صيادها الخلاص.
وعلى شاكلة هذه القواعد المنظمة لمطاردات “الصياد والفريسة”، يبدو الفضاء العام في البلاد وقد اكتظت جنباته بالخِيات من كل صنف ونوع، فالناس تمضي في حياتها اليومية تائهة لا تدرِي عن حقيقة أوضاعها ومقدراتها شيئًا ذا بال، ولا تفهم سبب معاناتها أو ما تتكبده من صعاب وآلام، ولا تقف في الوقت نفسه على حقيقة الإنجازات التي يُقال لها إنها قد تحققت، وهي في سعيها نحو النور، أي نحو المعرفة اليقينية المؤكدة، تتخبط بين كل صور الزيف وأشكال الانتحال دون مرشد ولا هادٍ.
ذلك أن البيانات والمعلومات باتت أساسية ولا غنى عنها لأي معرفة صادقة أو لتكوين أي رؤية أو تصور عن مجريات الحياة اليومية في حاضرها أو مستقبلها القريب أو البعيد، وبدون تلك البنية الأساسية المعلوماتية لا إمكانية لأي تخطيط رشيد، أو حتى مجرد تكوين رأي قويم، أو مشاركة جادة وهادفة، أو صبر جميل مستند إلى تفهم وتقدير.
والبيانات والمعلومات الحقيقية في حيازة وتحت يد الحكومة بأجهزتها ومؤسساتها البيروقراطية عميقة الغور والأبعاد، والمعلومة في ذاتها قوة وسلطة، ولهذا فإنها لا تفرط في وضعها الاحتكاري المعلوماتي لأي سبب، حتى وإن كان التزامًا دستوريًا يقع على عاتقها بموجب عدة مواد دستورية، أخصها المادة 68 التي قررت أن المعلومات ملك للشعب، وأن الحكومة مجرد حائز لها نيابة عن الشعب، وأن عليها لذلك الإفصاح عنها بصدق وشفافية.
وعلى الرغم من عدة محاولات بذلت خلال العقد الفائت منذ نفاذ دستور 2014 وشاركت فيها مؤسسات مجتمع مدني وغيرها، وعلى الرغم من كتابة مشروعين له، فإن قانون حرية تداول المعلومات المبتغى، والذي ألزم الدستور الحكومة بإصداره، ظل متعثّرًا ولم تكتب له الولادة والخروج إلى الحياة بعد، لصراع مكتوم على سلطة المعلوماتية: أهي لصاحبها أم لحائزها؟
وفي ظل حالة التجهيل المتعمدة هذه، وفي ظل تغبيش الرؤية وتضبيب المجال التي يعانيها الناس، ينشط كل ذي غرض خبيث، وتروج الشائعات والافتراءات، ويجد الناس أنفسهم قد اعتنقوا أفكارًا غير حقيقية عن مجمل مظاهر حياتهم، ولا يجد الباحث المدقق أمامه في مثل هذا المناخ إلا الاستنتاج، وفي بعض الأحيان الظن والتخمين.
ولما كان ذلك لا يغني عن الحق شيئًا، فإنه قد يجد نفسه في أغلب الأحوال قد بنى نتائجه على حافة جرف هار، إذ شيد رأيه على أساس معلومات خاطئة، وعند هذه المرحلة تنتصب في مواجهته نصوص قانون العقوبات التي تجرم نشر أخبار كاذبة وتعاقب عليها بالحبس الذي قد يمتد إلى خمس سنوات.
وعلى الرغم من الفارق والشتان بين الخطأ والكذب، إذ الأول غير مقصود، والثاني عمدي، والعقاب مقرر للثاني دون الأول، فإن المواطن أو الباحث أو الكاتب عادة لا يكذب، ولكنه يخطئ لعجزه عن الوصول للمعلومة الحقيقية، فلا أحد يصغى أو يدقق.
وهنا يجد المواطن المهتم نفسه قد وقع في الخِية المنصوبة له في مجاله، ويجد نفسه رهن التحقيق والمحاكمة وقيد العقاب.
ومن جانبنا، فإننا لا نتجاوز الحقيقة إذا ما قررنا أن أعدادًا كبيرة من المواطنين محبوسون ومعاقبون حاليًا لنشر أخبار كاذبة، على الرغم من إقرارنا بأن هذه المعلومة التي ندلي بها هنا تقديرية وبُنيت على الحدس والتخمين، إذ لا أحد يعلم حقيقة المعلومة المتعلقة بأعداد المحبوسين عن تلك الجريمة، والجهة التي تحوزها نيابة عنا لا تفصح عنها، وتتركنا نهبًا للشائعات والافتراءات التي تقوم على ترويجها جهات ذات مصالح متضاربة.
وليس هناك حاجة للتدليل على ما نقول، لأن الأمثلة عليه كثيرة ومتعددة بما يغنينا عن التأكيد، ولكن هناك مثلين أخيرين صارخين في دلالتهما، وهما حالتا باحثين مرموقين وذا مصداقية:
الحالة الأولى: الدكتور عمار علي حسن، الذي افتدى نفسه مؤخرًا من الحبس الاحتياطي على ذمة اتهام بنشر أخبار كاذبة بمبلغ عشرين ألف جنيه على سبيل الكفالة، وقد يحال بسببه إلى المحاكمة أمام محكمة أمن الدولة العليا.
الحالة الثانية: الدكتور عبد الخالق فاروق، الباحث الاقتصادي، الذي عجز عن الوصول إلى معلومة في صورة رقم، فاضطر إلى استنتاجها والتكهن بها من خلال معلومات لديه، ولكن لحظه العاثر لم يصب الحقيقة، وجاء الرقم الذي أعلنه خاطئًا، وبه يقع في الخِية فيحبس بتهمة نشر أخبار كاذبة، ولم تفصح الجهة التي تحوز الرقم الصحيح عنه إلا بطلب من النيابة العامة بعد حبس الباحث، ومن ثم قُدم للمحاكمة وقضِي عليه بالحبس خمس سنوات كاملة.
ولا شك لدينا أنه إذا ما تأيد ضده هذا الحكم في الاستئناف المرفوع منه وصار نهائيًا، فإن له حقًا في أن يعفو السيد رئيس الجمهورية عن تلك العقوبة، لأن الباحث هنا قد أخطأ ولم يكذب، واجتهد ولم يألِ جهدًا في ظل احتياجه إلى معلومة حجبت عنه رغم عدم دستورية حجبها، ومعلوم أن لمن اجتهد فأخطأ أجر وليس عليه عقاب.
ولعل هذان المثالان يدعمان مطلبنا ويؤيداننا فيما ندعو إليه من فتح حوار مجتمعي حول قانون حرية تداول المعلومات، تمهيدًا لإصداره على نحو بات مستحقًا مع بداية انعقاد مجلس النواب الجديد، فهل من مجيب أو من يلقى السمع وهو شهيد؟ لدينا عشم.





















