في السياسة، لا تعني الخطوة إلى الخلف هزيمة بالضرورة، بل قد تكون أحيانًا أذكى أشكال التقدّم، هكذا يمكن قراءة التحوّل اللافت في مقاربة طهران لملفها النووي، انسحاب تكتيكي محسوب من حافة التصعيد، أعاد ترتيب الأوراق، وفتح نافذة تفاوضية بدت، حتى وقت قريب، مغلقة بإحكام.
الرسالة الإيرانية جاءت واضحة: لسنا في وارد كسر العظم، بل في صدد إعادة تعريف شروط اللعبة، فبعد سنوات من العقوبات الخانقة، والضغوط القصوى التي تبنّتها إدارة الرئيس السابق، بدا أن كلفة المواجهة المفتوحة تتجاوز عوائدها.
الاقتصاد أولًا، هذا ما قالته الأرقام قبل أن يعلنه السياسيون، تضخم مرتفع، عملة متراجعة، واستثمارات أجنبية تكاد تكون معدومة أمام هذا الواقع، يصبح الانسحاب التكتيكي خيارًا عقلانيًا لا تنازلًا مجانيًا.
في المقابل، تدرك دوائر القرار في واشنطن أن سياسة العصا وحدها لم تُنتج اتفاقًا أكثر صرامة، بل دفعت نحو تسريع بعض الأنشطة النووية ورفع منسوب التوتر الإقليمي.
ومن هنا تبرز فكرة “الصفقة الاقتصادية المغرية” كمدخل عملي لكسر الجمود: تخفيف مدروس للعقوبات، إفراج مرحلي عن أموال مجمّدة، وفتح قنوات تجارية محدودة، مقابل التزامات تقنية واضحة وقابلة للتحقق.
إدارة ترامب، التي رفعت شعار الصفقات الكبرى، كانت تنظر إلى الملف من زاوية الربح والخسارة، اتفاق يُسوَّق داخليًا باعتباره أكثر صلابة من سابقه، ويمنح الشركات الأميركية فرصة دخول سوق واعدة، ويُسهم في استقرار أسعار الطاقة عالميًا، سيكون إنجازًا سياسيًا لا يُستهان به، هنا تتقاطع المصالح، ولو مرحليًا، بين خصمين تاريخيين.
غير أن جوهر التحوّل لا يكمن فقط في البنود التقنية، بل في فلسفة “الرفع المتدرّج للعقوبات”، هذه الآلية تخلق توازنًا حساسًا: كل خطوة امتثال تقابلها خطوة تخفيف، بما يمنع الانهيار المفاجئ ويُبقي خيوط الضغط قائمة، إنها لعبة أعصاب باردة، لا مكان فيها للقرارات الانفعالية.
المتضرر الأكبر من هذا المسار هم المتطرفون على الجانبين، أولئك الذين اعتاشوا على خطاب النار، وبنوا نفوذهم على حافة الهاوية، يجدون أنفسهم اليوم خارج الصورة. فالتسويات الهادئة لا تمنحهم عناوين صاخبة، ولا تبرر منطق المواجهة الدائمة، كل تقدم في مسار التهدئة يسحب منهم ورقة التخويف، ويُضعف سردية “العدو الأبدي”.
كما أن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون، يدرك أن استقرار المنطقة يمر عبر تفاهمات واقعية، لا عبر رهانات إسقاط أو إنهاك طويل الأمد، الأسواق العالمية بدورها تُفضّل إيقاعًا قابلًا للتنبؤ على مفاجآت الصواريخ والتصريحات النارية.
هل يعني ذلك أن الطريق مفروش بالورود؟ بالتأكيد لا. فجدار انعدام الثقة لا ينهار باتفاق واحد، والملفات الإقليمية المتشابكة تظل عامل ضغط دائم، لكن المؤكد أن منطق “الانسحاب التكتيكي” فتح بابًا كان موصدًا، وأعاد تعريف الممكن سياسيًا.
في النهاية، قد لا يكون المشهد انتصارًا كاملًا لأي طرف، لكنه أيضًا ليس هزيمة، إنه أقرب إلى إعادة تموضع ذكية، تُغلّب الاقتصاد على الأيديولوجيا، والمصلحة على الشعارات. أما دعاة الاشتعال الدائم، فلا عزاء لهم في زمن البراغماتية الباردة.



















