قال الكاتب السياسي أسامة بديع إن اختزال أزمة الحياة الحزبية في مصر في مسألة التمويل فقط يمثل قراءة جزئية لا تعكس حقيقة الإشكال البنيوي الذي تعاني منه الأحزاب، مشيرًا إلى أن هذا الطرح يُستخدم أحيانًا لتجاهل أزمات أكثر جوهرية تتعلق بالديمقراطية الداخلية، وهندسة العملية الانتخابية، وغياب معايير الحوكمة والشفافية داخل عدد من الكيانات الحزبية.
وأضاف بديع، خلال تصريحات خاصة لـ”الحرية”، أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في نقص الموارد المالية بقدر ما ترتبط بضعف آليات إدارة هذه الموارد وتداولها.
وأوضح أن هناك مؤشرات على تلقي بعض الأحزاب تمويلات وتبرعات من نواب أو داعمين بصورة متكررة، إلا أن عدم انتظام هذه التدفقات عبر القنوات البنكية الرسمية في بعض الحالات يؤدي إلى غياب الشفافية المطلوبة ويحول دون خضوعها للرقابة المؤسسية والقانونية، بما يضعف الاستفادة الفعلية منها في تطوير الأنشطة الحزبية وتوسيع دوائر المشاركة وتعزيز التواصل مع القواعد الاجتماعية المستهدفة.
بديع: الديمقراطية الداخلية شرط لتطوير العمل الحزبي
وأكد بديع أن الاكتفاء بطرح قضية التمويل بمعزل عن بقية الإشكالات البنيوية يغفل أزمة أخرى تتعلق بطبيعة البنية التنظيمية داخل بعض الأحزاب، حيث تتراجع آليات الديمقراطية الداخلية وتضيق مساحات المشاركة، بينما تُدار عملية اتخاذ القرار في بعض الأحيان بصورة مغلقة أو أحادية.
وأشار إلى أن طرح تمويل الأحزاب من أموال دافعي الضرائب يثير تساؤلات حول مدى تمثيل هذه الأحزاب فعليًا للقواعد الاجتماعية التي يفترض أن تعبر عنها، وقدرتها على توفير مناخ داخلي يسمح بالمشاركة وإبداء الرأي، خاصة مع وجود حالات تشهد قيودًا على كوادر حزبية تسعى إلى تعزيز الديمقراطية الداخلية أو تصحيح مسارات العمل الحزبي.
بديع: الحوكمة والرقابة قبل زيادة التمويل
وأوضح الكاتب السياسي أن تزايد مظاهر الانفراد بالقرار وسيطرة الصوت الواحد واتساع حالة الانغلاق التنظيمي داخل بعض الأحزاب يجعل من المشروع التساؤل عن جدوى توجيه تمويل عام إليها في غياب ضمانات واضحة للحوكمة الداخلية والشفافية المالية والمساءلة المؤسسية.
واختتم بديع تصريحاته بالتأكيد على أن أي نقاش جاد حول مستقبل الحياة الحزبية لا يمكن فصله عن إصلاح داخلي حقيقي داخل الأحزاب نفسها، يقوم على ترسيخ الديمقراطية الداخلية وتفعيل قواعد الحوكمة والشفافية وضمان مرور جميع أشكال التمويل والتبرعات عبر القنوات القانونية الرسمية، بما يعزز الثقة العامة.
وأكد أن تطوير الحياة الحزبية لا يتحقق عبر التمويل وحده، بل من خلال بناء أحزاب شفافة وديمقراطية وقادرة على تمثيل المواطنين والتفاعل الحقيقي مع المجتمع.
اقرأ أيضا:أحزاب على الورق.. هل التمويل أزمة الحياة الحزبية أم شماعة لإخفاء المشكلات؟


















