«السيلاج».. طوق نجاة للفلاح أم تحدٍّ للأمن الغذائي؟
في كل عام ومع بداية موسم الذرة، يتكرر المشهد ذاته في الريف؛ حقول خضراء على إمتداد البصر، وماكينات فرم لا تهدأ، وآلاف الأطنان من الذرة تتحول إلى سيلاج، أو ما يُعرف في بعض المحافظات بـ«المكمورة»، ليُخزن لأشهر طويلة ويصبح مصدرًا رئيسيًا لتغذية الماشية. هذا العام، يبدو المشهد أكثر اتساعًا من أي وقت مضى، حتى بات السيلاج حديث الفلاحين ومربي الماشية في معظم القرى المصرية.
ولكي نكون منصفين فإن الفلاح ليس متهمًا في هذه القضية بل ربما يكون أول ضحاياه ،فارتفاع أسعار الأعلاف خلال السنوات الأخيرة دفع آلاف المربين إلى البحث عن بدائل أقل تكلفة، وأصبح السيلاج بالنسبة لكثيرين ليس مجرد خيار، بل طوق نجاة حقيقي يحافظ على الثروة الحيوانية ويمنع خروج المزيد من الأسر من دائرة الإنتاج. وفي ظل هذه الظروف، لا يمكن مطالبة الفلاح بتحمل ما يفوق قدرته أو البحث وحده عن حلول لمشكلات تتجاوز حدود حقله وحظيرته.
لكن إذا كان اللجوء إلى السيلاج أمرًا مفهومًا، فإن التوسع الكبير وغير المنظم فيه يفرض علينا التوقف وطرح بعض الأسئلة المهمة. هل تمتلك الحكومة بيانات دقيقة عن حجم الذرة التي تتحول سنويًا إلى سيلاج؟ وكم تبلغ المساحات التي لم تعد تُحصد كحبوب، بل تُفرم كاملة لتصبح علفًا؟ وهل هناك دراسات تقيس أثر ذلك على مخزون الذرة الاستراتيجي؟ وهل يمكن أن يفرض هذا التوسع تحديات جديدة على الأمن الغذائي في المدى المتوسط والطويل عبر تعميق فجوة إنتاج الحبوب وزيادة الاعتماد على الاستيراد؟
والسؤال الثاني يتعلق بصحة الحيوان، وربما بصحة المواطن أيضًا. فالسيلاج في حد ذاته ليس خطرًا، بل هو وسيلة مستخدمة عالميًا لتوفير الأعلاف، لكن الفارق بين السيلاج الآمن والسيلاج غير الآمن قد يكون مجرد خطأ في نسبة الرطوبة، أو مدة التخمير، أو طريقة التخزين. وبينما يعتمد كثير من الفلاحين على الخبرة المتوارثة واجتهادات فردية ، يظل السؤال مطروحًا: هل وضعت الحكومة معايير واضحة وملزمة لتصنيع السيلاج؟ وهل قامت بحملات توعية كافية تضمن تطبيق هذه المعايير في جميع القرى؟
ومن حق المواطنين أيضًا أن يتساءلوا: هل أجرت الحكومة دراسات وطنية لقياس أثر السيلاج، خاصة غير المطابق للمواصفات، على صحة الحيوان؟ وهل توجد بيانات معلنة عن نسب النفوق أو الأمراض أو انخفاض الإنتاج المرتبط بسوء تصنيعه؟ وهل تم تقييم أي آثار محتملة على جودة الألبان واللحوم التي تصل إلى موائد المواطنين؟ فالأمن الغذائي لا يكتمل إلا بسلامة وصحة ما نأكله.
ومع الزيادة الملحوظة في معدلات الإصابة ببعض الأمراض بين الماشية خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها الحمى القلاعية، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل تمتلك الحكومة قواعد بيانات تربط بين أنماط التغذية المختلفة والحالة الصحية للقطعان على مستوى الجمهورية؟ وهل أُجريت دراسات تستبعد أو تؤكد وجود أي تأثير غير مباشر لأنماط التغذية الحديثة، ومنها السيلاج غير المطابق للمواصفات، على مناعة الحيوانات وصحتها العامة؟
كما يحق لكل مواطن أن يتساءل: هل تقوم الجهات المعنية بسحب عينات عشوائية من السيلاج، أو ما يُعرف بـ«المكمورة»، من مختلف المحافظات على فترات دورية لتحليلها والتأكد من مطابقتها للاشتراطات الصحية؟ وإذا كانت هذه الإجراءات تتم بالفعل، فأين نتائجها؟ وهل هي متاحة للرأي العام؟
فالسيلاج قد يبدأ داخل الحقل أو الحظيرة، لكنه لا يتوقف عندهما. فكل ما يؤثر على صحة الحيوان، وجودة الألبان، وسلامة اللحوم، يتحول في النهاية إلى قضية تمس صحة الإنسان بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ويظل السؤال الأهم: هل تنظر الحكومة إلى السيلاج باعتباره حلًا دائمًا، أم مجرد استجابة مؤقتة لأزمة الأعلاف؟ وما هي البدائل التي تعمل عليها لتخفيف أعباء ارتفاع أسعار الأعلاف؟ وهل توجد خطط للتوسع في المحاصيل العلفية البديلة أو دعم صغار المربين؟ أم أننا سنظل نبحث عن حلول مؤقتة لأزمة تتجدد كل عام؟
لا أحد يملك الإجابة على هذه الأسئلة سوى الجهات المعنية، لكن استمرار غياب الإجابات لا يعني أن الأسئلة غير موجودة. إن أخطر ما في هذا الملف ليس السيلاج نفسه، بل أن يتحول إلى ظاهرة تتسع عامًا بعد عام دون بيانات معلنة، أو سياسات واضحة، أو حملات إرشاد زراعي وبيطري تتناسب مع حجم الانتشار. فحين يغيب التنظيم، تصبح الاجتهادات الفردية هي القاعدة، وحين تغيب المعرفة، يصبح الجميع معرضًا لتحمل كلفة الخطأ.
لقد أثبت الفلاح المصري، عبر عقود طويلة، قدرته على التكيف مع أصعب الظروف، لكنه لا يجب أن يُترك وحيدًا في مواجهة ملف تتداخل فيه اعتبارات الاقتصاد والصحة العامة والأمن الغذائي. وإذا كان الفلاح يبحث اليوم عن وسيلة لإنقاذ مواشيه، فمن واجب الحكومة أن تضمن أن يكون هذا الإنقاذ آمنًا ومدروسًا.
ومع استمرار أصوات ماكينات الفرم في حقولنا هذه الأيام، يبقى السؤال قائمًا: من يحمي الفلاح الذي يحاول حماية مصدر رزقه؟ ومن يحمي المواطن إذا غابت المعايير؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة هي ما سيحدد ما إذا كان السيلاج سيظل طوق نجاة لا غنى عنه، أم ملفًا يحتاج إلى مراجعة وتنظيم قبل أن تتحول تداعياته إلى تحدٍّ جديد يواجه أمننا الغذائي.





