دعنا نعترف أن السلطة القادمة بلا شك هي لصحافة المواطن، نعم هي القوة المسيطرة علي وسائل الإعلام بل ستكون في كثيرًا من الأحيان هي مصدر المعلومات لوسائل الإعلام خاصة في ظل التطور التى تشهده التكنولوجيا في مجالات الأتصالات ونقل المعلومات وبدأ تراجع أشكال الإعلام التقليدى.
وأصبح المواطن يستطيع تصوير ونقل وكتابة الأحداث التى تجرى حوله ورفعها علي منصات التواصل الاجتماعي في ذات اللحظة ليتحول من متلقي الرسالة الى مصدر الرسالة، وأصبحنا نشاهد يوميا ملايين القصص والصور والفيديوهات التي كونت أحداث مختلفة ما بين التجارب والأخبار والحوادث بل وتسارعت وتيرة وقوة صحافة المواطن لتشكل ضغطا كبيرًا علي الرأي العام وتحدد احيأنا مسارات وقرارات الحكومات والدول ووصلت في كثير من الأحيان الى إقالة مسئولين ووزراء وأندلاع ثورات.
وساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في تطور صحافة المواطن ومنح الأدوات السهلة والمتطورة للشخص لنقل رسالته وتوثيقها.
وعندما تسال شخصا سواء كان صحفيا أو باحثا فى مجال الإعلام عن تلك الصحافة الجديدة والتى أصبحت متغلغة فى كل القصص التى نتلقاها يوميا وتقول له كيف بدأت ومتى ظهرت وكيف استطاعت أن تكون مصدرا للصحفيين أنفسهم بل وتنافس أكبر الصحف والقنوات التى تمتلك آلاف المراسلين فى نقل الأحداث ونشرها؟
سوف تجد أجوبة متباينة ومختلفة وأحيأنا بلا أجابات.
والحقيقة أنه لا يوجد توقيت أو مكان محدد، يمكن أن نقول أن هنا بدأت صحافة المواطن ولكن كل باحث وكل كاتب أستند الى ما يمتلكه من تاريخ أو واقعة أو توقيت.
فمثلا يؤكد عدد من الباحثين فى مجالات الاتصالات والإعلام، علي أن بدايات صحافة المواطن ارتبطت بالولايات المتحدة الأمريكية، وظهور المدونات، خاصة عقب أحداث 11 سبتمبر والعمليات الإرهابية التي طالت مبني التجارة العالمي، ولم يقولوا أن هذا هو تاريخ ظهورها وإنما قالوا أن التدوين عقب هذا الحادث ونقل القصص والصور من قبل الجمهور كان البداية لانطلاق سلطة جديدة تسمي صحافة المواطن.
في حين يرى باحثين آخرين أن البداية قد تكمن عند المواطن “ابرام زبردار” الأمريكي الجنسية الذى كان يمتلك كاميرا كبيرة الحجم وثقيلة الوزن وذهب مثل غيره من الأمريكيين لحضور موكب الرئيس الأمريكي “جون كيندي” في مدينة دالاس عام 1963 ليلتقط صورة لحظة اغتيال الرئيس الامريكي ويقوم بعدها ببيعها لاحدى المجلات الامريكية مقابل 150 الف دولار.
في حين يربط باحثين آخرين صحافة المواطن بموجة تسونامي التى دمرت جنوب آسيا 2004 حيث تصدرت صحافة المواطن المشهد الأبرز من خلال فيديوهات المواطنين والصور التى التقطت بهواتف المحمول لكوارث الحدث وحالات الدمار الذى خلفها الاعصار.
في حين كانت هناك تجربة ورقية أقدم بكثير من كل هذا وهي قيام إحدى الصحف الأمريكية التى تدعي “publlckoccurrence
والتي صدرت في 16 سبتمبر 1690 والتي صدرت لعدد واحد فقط ثم توقفت عن الصدور حيث قامت تلك الصحيفة بتجربة كانت الأغرب في هذا الوقت، حين كانت الصحيفة تطبع وتنشر الأخبار في ثلاث صفحات متوسطة الحجم فيما تترك الصفحة الرابعة فارغه ليتمكن القراء من أضافة أخبارهم الخاصة عليها قبل تمريرها لقارئ اخر.
ولكن دعنا في المجمل نحدد فترة زمنية يمكن أن نقول أن خلالها بدأت صحافة المواطن في الظهور وهي الفترة نهاية التسعينات وحتي 2009 حيث ظهرت المدونات ثم أنطلق وحش وسائل التواصل الأجتماعي “الفيس بوك – ويوتيوب “، حيث شكلت مواقع التواصل الأجتماعي التربة والمناخ الملائم معا لظهور صحافة المواطن وحققت تدوينات وأخبار المواطنين نجاحا كبيرًا عقب تفجيرات 11 سبتمبر وموجه تسونامي 2004 ثم تفجيرات مدريد 2005 ووصولا الى الأحتجاجات علي الأنتخابية الايرانية 2009 ثم مرحلة الربيع العربي والثورات في مصر وتونس وليبا وسوريا .
لعبت صحافة المواطن دورًا كبيرًا وهاما فى ثورات الربيع العربي وبالتحديد نستطيع أن نقول أنها كانت المنقذ فى بعض الاحيان لكشف الحقائق وحشد التاييد الشعبى من خلال نشر الصور والفيديوهات والاحداث لتواجه تزييف الإعلام التقليدى سواء كان الإعلام الرسمى للأنظمة السياسية أو الإعلام الممول والموجه بأجندات أخرى لاثارة الفتن والبلبلة وتوجيه الرأى العام نحو أتجاه معين.
عقب الأشادة الكبيرة بتك المنصات بعد دورها القوى في ثورات الربيع العربي وقدرتها الكبيرة علي التحول لدور الإعلام البديل ونشر الأحداث وتوثيقها والنجاح في وضع الصورة أمام المتلقي لأتخاذ القرار والأتجاه الذى يريده ، لفت هذا الدور القوى علي التأثير عيون الجميع الى أستغلال تلك المنصات كل شخص حسب ما يريد وما يخطط ، فتحولت النعمة الى نقمة وتحول الدرع الى سلاح قاتل.
ولك أن تتخيل أن هذا السلاح الجديد غير حتي أستراتيجية وتفكير الجماعات الأرهابية نفسها التى كانت تسير علي نهج واحد من التفجير والقتل والتخريب لتستخدم تلك الجماعات تلك المنصات في التخطيط والتنفيذ والتجنيد واستقطاب أعضاء جدد ونشر أفكار التطرف والعنف وإمكانية نشر الفتن والتوترات بين أفراد المجتمع الواحد .
بل وصل الأمر الى تأسيس حسابات رسمية لتلك التنظيمات الأرهابية، مثل حساب تويتر لحركة طالبان في أفغانستان وحركة الشباب في الصومال وبوكو حرام فى نيجريا.
ليس التنظيمات الأرهابية وحدها التى وجدت ضالتها في تأثير هذا الإعلام البديل ، بل تحولت المنصات الى وسيلة لنشر الأخبار الكاذبة والصور المفبركة والقصص المصورة بهدف زعزعت الثقة في الأنظمة الحاكمه تاره، وأخرون لنيل مكاسب أقتصادية فتجد خبر وأحد يستطيع أن يهبط بسهم شركة وصورة واحدة تستطيع أن تفقد منتج سمعته في الأسواق وفيديو صغير قد يعصف بمؤسسات كبرى الى ألافلاس.
ومع إندلاع الصراعات بشكل متزايد في الفضاء الأفتراضي، شهدت المواجهة بين مجموعة دول الخليج بقيادة السعودية من جهة وقطر من جهة أخرى أنشاء جيوش إلكترونية لمهاجمة بعضهم.
وفي الحرب الليبية المستمرة منذ سقوط معمر القذافي، والتى دارت رحاها عبر طائرات مسيرة ومرتزقة، حث وسطاء ألامم المتحدة فى هذا التوقيت طرفي النزاع على القاء أسلحتهم ولكن أيضأ على ألامتناع عن أستخدام “خطاب الكراهية والتحريض على العنف” عبر الإنترنت .
معطيات تلك الشبكات وماتقدمه للمستخدم من أمكانيات تجعله يكتب ويستقبل ردود ألافعال حول ماينشر أدت الى بروز ظاهرة توزيع جديد للأدوار داخل المشهد الصحفي. فقد تقدَّمت شبكة الإنترنت على الصحافة المكتوبة والألكترونية ولسنا في حاجة الى دليل اليوم لأثبات ذلك، كما جعلت من التليفزيون وسيلة بلا قيمة فى سباق البث الخبرى .
وتحت أى مسمى سواء الإعلام الجديد أو صحافة المواطن فأن منذ ظهورها بلأ شك فأن مهنة الصحافة تواجه العديد من الهزات المهنية فأصبح الخبر يصل الى الصحفي من شبكات التواصل الأجتماعى مثله مثل أي موأطن عادي، وهو ما يجعل منها اليوم وغدا مصدرا مهما من مصادر الأخبار للصحفيين. ويمكن أخذ العديد من الامثلة ولعل منها خاصة ما يتعلق بقضايا الشان العام.
فـ وزيرة العدل الفرنسية “كريستين توبيرا” أعلنت أستقالتها، سنة 2016، من حكومة “فرانسوا هولاند” على حسابها بتويتر، وكثيرة هي الأخبار التى بات يلقي بها قادة الشان العام على شبكات التواصل الأجتماعى قبل أرسالها الى الصحفيين.
تشير مثل هذه المتغيرات الى أن الصحفي لم يعد هو المتحكِّم ولأ المطَّلع ألأول على المعلومة والخبر حتى ينشرهما في وسائل الإعلام التقليدية.
ولم يعد للصحفي سلطة مطلقة على عملية أنتاج الأخبار. فمن خلال شبكات التواصل الأجتماعى أصبح بأمكان أي مواطن أن يكون شاهدا على أي حدث يعترضه وأن يشارك غيره تفاصيله التى جمعها بالكاميرا أو بالتدوين أو بالصوت أو بكل هذه الوسائط معا.
وتوصلت دراسة أجراها معهد – رويترز- لدراسة الصحافة، شملت 26 بلدًا، الى أن أكثر من 50 % من جميع مستخدمي الإنترنت يتوجهون الى مواقع التواصل الأجتماعى للاطلاع على الأخبار أسبوعيا، وأن أعدادا متزايدة منهم يقولون أن هذه المواقع هي مصدرهم الرئيسي، وفي حين أن الكثير من المؤسسات الإعلامية أرتبطت بـ “فيسبوك” و “غوغل” لتوزيع أخبارها، فأن الدراسة تحذر من أن مواقع التواصل الأجتماعى بدأت تصبح وجهات خبرية قأئمة بذاتها.
وغاب الرقيب وتحولت أغلب أجهزة الدولة الإعلامية الى وسيلة يومية لمحاولة نفي تلك الأخبار والشائعات وتغلغلت كتابات المواطنين حتي أصبحت مصدراً لكثير من المواقع الصحفية الغير مهنية وأصبح صحفيين ينقلون أخبارهم من صفحات السوشيال ميديا قاتلين المهنية وأبجدية الكتابة الصحفية في وجود مصدر أصيل للمعلومة.





















