أنا واحد من أبناء ثورة 25 يناير. عشتها لحظة بلحظة، نزلت الميدان، وشوفت بعيني إحساس نادر إن الشعب ممكن يقول «لا» ويكملها للآخر. كانت من أعظم الأحداث اللي مرت عليّ في حياتي، مش لأنها أسقطت نظامًا فقط، لكن لأنها أيقظت شعبًا، ولو لبرهة، على قدرته.
لكن الاعتراف بعظمة يناير لا يعني تقديس التجربة أو تحريم نقدها. بالعكس، أي تجربة كبيرة لا تعاش إلا مرة واحدة تستحق أن تُفهم، وتُفكك، وتُنتقد بصدق، خصوصًا لو انتهت على عكس ما حلم به أصحابها.
لماذا خرج الناس؟
ثورة يناير لم تكن مؤامرة ولا حدثًا عابرًا. كانت نتيجة طبيعية لتراكم طويل:
ثلاثة عقود من حكم مغلق، فساد مستشري، فجوة هائلة بين الدولة والمجتمع، ظلم اجتماعي، وقمع مارسه بعض رجال الشرطة ضد الناس، إضافة إلى رفض شعبي واسع لفكرة توريث الحكم وكأن البلد تركة خاصة.
الشعب خرج لأنه تعب، لأنه شعر أن الأفق مسدود، وأن الصمت لم يعد خيارًا.
لكن… هل كانت يناير فعلًا لحظة واحدة بوجه واحد؟
محاولة الفهم تفرض علينا الاعتراف بأن أي حدث كبير أو عظيم لا يكون يومًا نتاج طرف واحد أو رؤية واحدة. اللحظات المفصلية في التاريخ تكون دائمًا نقاط تلاقي مصالح متباينة.
ثورة يناير كانت نقطة التقاء:
• بين شعب غاضب يطالب بالحرية والعدالة والكرامة
• وبين أطراف محلية رأت في سقوط النظام فرصة للتمكين
• وبين أطراف إقليمية ودولية كان لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في إنهاء نظام حكم بعينه أو إعادة ترتيب المشهد
كل طرف نظر إلى يناير من زاويته الخاصة، وحاول بعد ذلك أن يحسب “الانتصار” لنفسه، أو يبرر “الهزيمة” وفق روايته. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا من ثنائية بطل/خائن.
أين أخطأنا نحن؟
وهنا يأتي الجزء الأصعب… نقد جيلنا نحن.
جيل يناير امتلك الشجاعة، لكنه افتقد التنظيم.
امتلك الحلم، لكنه لم يمتلك الخطة.
أسقط رأس النظام، لكنه لم يملك تصورًا واضحًا لإدارة ما بعد السقوط.
تركنا السياسة لقوى أكثر تنظيمًا، وأكثر خبرة، وأحيانًا أكثر انتهازية. انشغلنا بالخلافات، بالشعارات، بتخوين بعضنا البعض، بدل بناء مشروع وطني جامع. لم ننجح في حماية الثورة، ولا في تحويل الزخم الشعبي إلى مسار مؤسسي مستقر.
وضاعت فرصة تاريخية كان يمكن – لو أُحسن استغلالها – أن تنقل مصر نقلة حقيقية، تدريجية، ومستدامة.
الاعتراف بأن يناير كانت عظيمة لا يتناقض مع القول بأنها فشلت في تحقيق أهدافها.
والفشل لا يعني أن الخروج كان خطأ، بل أن الإدارة كانت ناقصة، والفهم كان قاصرًا، والنضج السياسي لم يكن كافيًا.
أنا ابن من أبناء يناير، أفخر بها، وأحزن عليها، وأنتقدها.
لأن أسوأ ما يمكن أن نفعله تجاه تجربة بهذا الحجم… هو إما تقديسها بلا عقل، أو شيطنتها بلا إنصاف.
والتاريخ لا يُكتب بالشعارات، بل بالفهم.





















