لم أكن قبل 25 يناير على وعي كامل بما يحدث في مصر، ولم أكن على قدر من التفاهم عن وجود كل تلك المظالم في هذا العهد الذي كنت جزءًا منه. كنت عضو في الحزب الوطني الديمقراطي في ذلك الوقت، مع أني لم أمكث فيه إلا القليل من الوقت، وتحديدًا منذ 2008 إلى عام 2010. ولكن، كنت من بين من يطلق عليهم “الإصلاحيين” داخل الحزب، والحمد لله لم أستفيد من وجودي داخل الكيان شيئًا، ولم أفسد، ولم أكن من المفسدين.
كنت معارضًا وأنا فيه، واتخذت مواقف كثيرة ضد توجيهات من كانوا يديرون المشهد السياسي في ذلك الوقت، وكان لي الآراء الخاصة بفكري بعيدًا عن التوجيهات السياسية للحزب في ذلك الوقت، وإعلانها ولا غضاضة في ذلك. وهذا يحسب للحزب وليس ضده، وأشهد الله أنه كان يوجد مصلحين وأهل رؤية وفكر وخبرة سياسية وحزبية كبيرة داخل الحزب، وكان شباب الحزب من أنشط الشباب ولديهم وعي ومعرفة وفكر.
أشهد الله أني رأيت كثير من شباب الحزب الوطني من أمانة الجيزة في يوم جمعة الغضب تشارك في الثورة المصرية. ومع كل ذلك، لم أتأخر عن أن أستجيب لنداء ثورة شباب مصر منذ انطلاقها منذ أن وقعت على استمارة الجمعية الوطنية للتغيير، وبعدها لم أتأخر عن المشاركة في الأحداث منذ يوم الجمعة 28 يناير، وهو نداء رباني لم يتدخل أحد به إلى يوم التنحي، ولم أغادر الميدان إلا ساعات، كل هذه الفترة وأعود مرة أخرى.
أتذكر أنه يوم 25 يناير يوم عادي جدًا طبيعي جدًا بالنسبة لي، ولم أهتم بتلك الدعوات التي كانت تدعو إلى النزول للتعبير عن غضبهم من ممارسات الداخلية، وخاصة بعد حادث خالد سعيد أو حادثة كنيسة القديسين بالإسكندرية، أو قصة عماد الكبير، أو غضب من الممارسات في البيئة الحزبية والسياسية ومنظمات المجتمع المدني. ذهبت إلى بيت قريب لي، وفي أثناء تلك الجلسة تحدث معي عن نزول أحد أقاربنا إلى تلك المظاهرات، وأنه لديه قلق واعتراض على نزولهم، وأن القلق وصل إلى أهل بيتهم، وأنه لا بد من الجلوس معهم، وأن يتم إقناعهم بعدم النزول مرة أخرى. وبالفعل جلسنا معهم، وأثناء الحديث معهم كنت أسأل عن الأجواء المحيطة بذلك اليوم، وما حدث معهم في ذلك اليوم، وما سوف يحدث بعد ذلك، أكثر من كلامي عن الاعتراض على نزولهم.
ومر هذا اليوم إلى أن جاء يوم الجمعة الموافق 28 يوم جمعة الغضب، وكنت أصلّي الجمعة بالمسجد المقابل لمنزلي، وأثناء خروجي من المسجد شاهدت صديقي العزيز وأخي سامي عبده، وكنا نجلس معًا نرقب الأحداث خلال أيام 26/27 يناير. وفي أثناء خروجنا قالنا في توقيت واحد معًا: “هنعمل إيه؟ هنقعد نتفرج ونروح نتابع الأحداث من البيت عنده والا نروح نشارك مع الرجالة، ننزل ونشارك في سرعة كبيرة. وأخذنا سيارته، وانطلقنا إلى مكان شغلي بالدقي أمام قسم الدقي، وأدخلنا السيارة في الجراح.
منذ اللحظة الأولى ونحن نشم الغازات ونختنق منها، ووجدنا أعداد كبيرة من الثوار في ميدان طه حسين أمام قسم الدقي وفندق شيراتون القاهرة وفي شارع التحرير والشوارع المحيطة به، وما بين قر وفر من الغازات والاشتباك مع مقر فرق شمال في ذات المكان، ومحاولات المرور من كوبري الجلاء الذي تم العبور منه بكل سهولة رغم وجود أربعة سيارات شرطة محملة بالجنود إلى الوصول إلى الأوبرا المصرية، وكر وفر وعودة مرة أخرى إلى نقطة البداية.
إلى أن دخل الليل في ساعاته الأولى، وأصبحت الساعة 5 مساء، وبدأ الظلام يظهر شيئًا فشيئًا، وكان معنا الكاتب بلال فضل وأخرين. إلى أن ظهر الكاتب إبراهيم عيسى ومعه عدد غفير من المواطنين من ناحية الجيزة. وبعدها ظهر نور قادم من سيارة من شارع التحرير، اعتقد الكثيرون أنهم الداخلية، إلا أننا فوجئنا بالفنان فتحي عبد الوهاب محمول على الأعناق، ومع حشود كبيرة جدًا، وأصبحنا قادرين على المضي قدمًا إلى ميدان التحرير.
وقلت للكاتب بلال فضل في ذات اللحظة: “الآن سوف نمضي ونكمل طريقنا، لأن أصحاب القضية وصلوا، وهم الدعم الحقيقي والمساندة الحقيقية، لعدم قدرتنا على اقتحام منطقة الأوبرا”. وبالفعل استكملنا طريقنا، واشتد إطلاق الغاز علينا من حديقة محمود مختار، ولكن تغلب عليها الشباب، وانسحبوا بعيدًا، ربما لأن الذخيرة انتهت أو ربما لسبب آخر لا أعلمه، حتى وصلنا إلى كوبري قصر النيل.
وهنا كانت معركة شرسة بمعنى الكلمة، واستخدم فيها الطلقات الخرطوش والمطاط والقنابل الصوتية والغاز، وأصيب بجواري كثير، حتى إني كنت سوف أكون من ضمن المصابين لو تتدخل عناية الله وتتدخل أخي سامي عبده بطريق مباشر وغير مباشر في ذلك. وصلنا إلى منتصف قرب قصر النيل عند آذان المغرب، وشيئًا فشيئًا نكسب أرض ووقت، ويتم استنزاف قوة وطاقة الداخلية، حتى وصلنا إلى ميدان التحرير، وهنا سمعنا وشاهدنا عربيات الحرس الجمهوري تنزل الميدان، ويتم الاشتباك معهم.
وقفت عند باب الجامعة العربية من كثرة الدخان وعدم الرؤية أمامي، واتخذت قرار بأن أترك المكان من كثرة الدخان وتأثيره على صدري وعدم الرؤية كاملة، والعودة مرة أخرى إلى المنزل، ثم العودة مرة أخرى، حيث يكون النزول للتعبير والوجود مع الشعب.
ثم عادت بعد ذلك إلى ميدان التحرير حتى تم التخلي عن منصب رئيس الجمهورية، وتم التنحي من جانب الرئيس الأسبق حسني مبارك. أذكر أن قوات قسم الدقي لم تتدخل معنا، وأيضًا القوات التي كانت تتمركز عند فندق الشيراتون لم تتدخل، بل أذكر أن الظباط المكلفين بها رفضوا أن يشتبك أحد من قواته مع المتظاهرين السلميين.
أذكر أن المتظاهرين السلميين كانوا يحمون سيارات الشرطة من التخريب، ويتعاملون مع الجنود أفراد الشرطة بكل احترام وحب.
يناير هي درب الحق وتكمن في العقل وتعيش في القلب
يناير ثورة الوعي والألم. لم يكن أحد بنقاء يناير إلا شهداء يناير. لم يستفيد من يناير إلا من قامت عليهم يناير، ولم يقف ضد يناير إلا من قامت من أجلهم يناير، ولم يظلم من يناير إلا من قاموا بها.
يناير قبس من نور في بحر الظلمات. عاشت يناير ومبادئ يناير.



















