في شتاء 2005، كنا شبانًا نحلم بتغيير العالم، كنا نتتلمذ على أيدي أساتذة أجلاء في حركة “كفاية”، من اليساريين والليبراليين، الذين علمونا أن السياسة ليست مهنة، بل رسالة، علمونا أن الوطن ليس ملكًا لأحد، وأن التغيير واجب، والثورة حق.
ثم جاء يناير 2011، فكانت المحطة الأهم في حياتنا؛ جيل بأكمله خرج إلى الشوارع، ليس هربًا من شيء، بل بحثًا عن حلم. جيل أسقط نظامًا كان الأكثر تعقيدًا وتنظيمًا في تاريخ مصر الحديث: الحزب الوطني بآلته الجهنمية، ثم جماعة الإخوان بظلاميتها السياسية.
نعم، نحن فعلناها، نحن جيل يناير، الجيل السياسي الأهم في التاريخ المصري المعاصر بعد جيل زعماء الوفد في العشرينات حتى الخمسينات.
هذا الجيل ليس كغيره؛ نحن جيل مُسيَّس حتى النخاع، وطني بلا شك، عشنا ثورتين وخضنا تجارب قاسية، ودفعنا أثمانًا باهظة: سجون، ومنافي، وفقدان لأحباء، وخيبات أمل. لكننا بقينا وحافظنا على الحلم.
نحن الآن جيل الوسط، الجيل القائد في أي منظومة ديمقراطية حقيقية، لسنا شبابًا متحمسين يركضون خلف الشعارات، ولسنا شيوخًا منهكين استنزفتهم السنون، بل نحن في أوج العطاء السياسي، في لحظة التوازن بين الخبرة والحيوية، بين الحكمة والحماس.
والمفارقة العجيبة أننا نعيش في زمن اختل فيه المناخ السياسي تمامًا داخل معسكر الموالاة، فلم يعد هناك منافس حقيقي، ولا حوار سياسي، ولا فضاء للاختلاف، كل شيء مُعد سلفًا، والنتائج محسومة قبل البدء. وهذا يضعنا — جيل يناير — نحن المعارضة الطبيعية، أمام فرصة تاريخية؛ فالميدان السياسي شبه خالٍ، والناس تنتظر مشروعًا سياسيًا متماسكًا، والأفكار تبحث عن حاضنة. كل شيء جاهز، إلا شيء واحد: نحن.
هنا تكمن الأزمة الكبيرة والفجّة التي تؤخر تقدمنا في الصفوف السياسية؛ ليست أزمة برامج ولا أزمة وعي شعبي، بل هي أزمة ثقة، ولها وجهان.
الوجه الأول: عدم الثقة في النفس، فالصف الأول من جيل يناير، أصحاب الأسماء الرنانة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس في 2011 وما بعدها، لم يثقوا بعد في أنفسهم، ولم يقتنعوا بعد بأنهم قادرون على القيادة.
يتوارون دائمًا خلف جيل الأساتذة، وكأنهم تلاميذ لا يحق لهم تخطي المعلم، لكن المعلمين أنفسهم يعترفون بأن التلاميذ فاقوهم، فلماذا لا نصدق هذا؟ ولماذا لا ندرك أننا أصبحنا نحن الأساتذة الآن، وأن علينا أن نأخذ زمام المبادرة؟
أما الوجه الثاني فهو عدم الثقة في بعضنا البعض، وهو الأصعب والأكثر إيلامًا، نحن لا نثق في بعضنا البعض، جيل الثورة العظيمة الذي نزل معًا وسال دمه معًا في نفس الشوارع، أصبح اليوم جيلًا متفرقًا، شتاتًا في الرؤى، وتناحرًا على تفاصيل صغيرة، وريبة تحول دون أي تحالف جاد.
وهذا كله ناتج عن عدم الثقة في النفس؛ فالذي لا يثق في نفسه لا يستطيع أن يثق في الآخرين، والذي يخاف من انعكاس صورته لا يستطيع أن يقف بجوار غيره.
أكتب هذه الكلمات وأنا واحد منكم؛ عاصرت 2004 في كفاية، وكنت في ميدان التحرير في 2011 و2013، رأيت المجد ورأيت المأساة، والآن، وبعد كل هذه السنوات، أقولها بكل وضوح: حان وقت العمل معًا.
نداء إلى كل قيادات جيل يناير، إلى كل من حمل هم هذا الوطن في قلبه وعقله: لنلتقِ، لنذِب جبال الثلج التي تراكمت بيننا، لنضع خلافاتنا الشخصية جانبًا وننظر إلى الصورة الكبيرة، لنثق في أنفسنا، ثم لنثق في بعضنا البعض.
هذا البلد لا يحتمل المزيد من الفراغ السياسي، هذا البلد يحتاج إلينا، فالموالاة خائفة ومشتتة، والمعارضة التقليدية المصنوعة تابعة وهشة، والناس تبحث عمن يعبر عنها. ومن يستطيع فعل ذلك سوانا نحن، جيل يناير، إذا استطعنا أن ننظم صفوفنا، وأن نثق في أنفسنا.
وأتمنى أن يحدث هذا قريبًا، سيجد المجتمع السياسي المصري نفسه أمام تنظيمات سياسية قادرة على ملء الفراغ بين السياسيين والمواطنين، وقيادات شابة تجيد لغة العصر، وتعرف هموم الناس، ولديها تجارب نضالية تمنحها المصداقية، قيادات لا تحتاج إلى منصات رسمية لتصل إلى الناس، لأن الناس تعرفهم وتثق بهم.
تخيلوا معي لو أن قيادات جيل يناير تحالفت، ليس بالضرورة في حزب واحد، بل في ائتلاف وطني واسع يجمع الليبراليين واليساريين والمدنيين المستقلين، ائتلاف ببرنامج واضح، وقيادة جماعية، وآليات ديمقراطية داخلية.
هذا الائتلاف سيخلق واقعًا سياسيًا جديدًا في مصر، واقعًا يعيد تعريف المعارضة، ويخلق توازنًا حقيقيًا، ويضغط من أجل إصلاحات حقيقية.
أصدقائي في جيل يناير، نحن القادرون على صنع هذا، ليس لأننا الأفضل، بل لأننا الوحيدون، فالأساتذة الكبار لهم كل الاحترام، لكن زمانهم ولّى، والشباب الأصغر يحتاجون إلى قدوة، ويمكننا أن نكونها. اللحظة تاريخية، والفرصة سانحة، والوقت يمر.
أزمة الثقة يمكن تجاوزها إذا أردنا ذلك بصدق، والأنا يمكن أن تنكسر، والمصالح الشخصية يمكن أن تذوب أمام المصلحة الوطنية، المطلوب فقط هو لقاء يجمعنا بعيدًا عن الكاميرات والتصريحات، لقاء ننظر فيه إلى عيون بعضنا، ونتذكر أننا كنا يومًا إخوة في الميدان.
فلنفعلها من أجل مصر، فلنصنع واقعًا سياسيًا جديدًا لا ينتظر الإشارة من أحد، نحن جيل يناير، وهذا واجبنا، فهل من مستجيب؟





















