لم تعد الأحداث التي تجري حول مصر بعيدة عن المواطن، حتى وإن بدت بعض تفاصيلها كذلك. فسـد النهضة، وما يجري في السودان وليبيا، واضطراب البحر الأحمر، وإعادة تشكيل التحالفات في المنطقة، ليست مجرد ملفات خارجية منفصلة، فهي تحولات تتقاطع آثارها عند أمن الدولة واقتصادها ومواردها، وتمتد نتائجها في النهاية إلى حياة المواطن ومستقبل أسرته.
ورغم اختلاف أسباب هذه الملفات وأطرافها وحساباتها، فإنها تلتقي جميعًا عند مصر، وليس هناك ما يدفع بالضرورة إلى افتراض وجود جهة واحدة تديرها بهدف الضغط على مصر أو جرها إلى حرب؛ فالدول تتحرك وفق مصالحها، وقد يكفي أن تتقاطع هذه المصالح في لحظة إقليمية شديدة التعقيد حتى تجد مصر نفسها أمام ضغوط متزامنة تضيق هامش حركتها وتزيد كلفة خياراتها.
وهنا ربما يكون الخطر الحقيقي: ليس في اتفاق القوى المختلفة على مصر، وإنما في تقاطع مصالحها من حولها.
ومصر، في المقابل، دولة كبيرة لا تقف متفرجة على ما يحدث؛ فهي تتحرك دبلوماسيًا وسياسيًا في أكثر من اتجاه، وتمتلك رؤية ومصالح واضحة وأدوات متعددة، وتحاول الحفاظ على مساحة واسعة من الحركة في إقليم تتغير موازين القوة فيه بسرعة.
لكن طبيعة اللحظة تفرض سؤالًا أوسع: هل يمكن التعامل مع كل هذه الملفات باعتبارها أزمات منفصلة؟
حين تتزامن تحديات المياه والحدود والطاقة والملاحة، وتتغير التحالفات من حولنا، قد يفوق حجم التحدي قدرة أي مؤسسة منفردة على التعامل معه، مهما كانت إمكاناتها وأدواتها. وليس ذلك لأن الدولة تفتقد القدرة، وإنما لأن طبيعة التحديات نفسها أصبحت أكثر ترابطًا، وتحتاج إلى رؤية تجمع بين أدواتها المختلفة.
فالدبلوماسية والسياسة والاقتصاد والأمن ليست مسارات منفصلة عندما تتداخل الأزمات، وقوة الدولة لا تتحدد فقط بما تملكه من أدوات، وإنما بقدرتها على توظيفها معًا، والاستفادة من الخبرات والقدرات الموجودة داخل المجتمع.
ومن هنا يصبح التكامل الوطني ضرورة عملية ،فالمجتمع المصري يمتلك خبرات اقتصادية وسياسية وقانونية وأكاديمية ومهنية يمكن أن تساهم في فهم التحديات، واقتراح البدائل، والتعامل مع آثارها، خصوصًا عندما تمتد تداعيات الأزمات الخارجية إلى الداخل.
ومن هنا يأتي دور المعارضة الوطنية، فدورها لا يقتصر على نقد السياسات أو تقديم بدائل في الملفات الخارجية، وإنما يمتد إلى الداخل أيضًا. فإذا كانت الأزمات الخارجية تفرض تكلفة على الاقتصاد والمواطن، فإن تقديم حلول لتخفيف هذه التكلفة، وتعزيز قدرة المجتمع على تحملها، واقتراح سياسات تساعد على حماية الفئات الأكثر تأثرًا، هو جزء من مسؤولية المعارضة السياسية.
لكن قيام المعارضة بهذا الدور يحتاج أيضًا إلى مساحة سياسية تسمح لها بأن تكون شريكًا في النقاش الوطني، لا تابعًا للسلطة ولا خصمًا للدولة؛ مساحة تستطيع فيها الوصول إلى المعلومات المتاحة، والالتقاء بالخبرات، وطرح البدائل، ومناقشة السياسات وانتقادها، وتقديم حلول عملية لما يواجهه المواطن.
وهذه المساحة لا تعني غياب الاختلاف، ولا تعني أن تتحول المعارضة إلى جزء من السلطة،بل تعني أن يكون الاختلاف السياسي قادرًا على إنتاج أفكار وبدائل وحلول، وأن تتحول الرقابة والمساءلة إلى أدوات تساعد على تحسين السياسات وتقليل تكلفة الأزمات على المجتمع.
فمصر لا تنقسم إلى سياسة داخلية وأمن قومي، والمواطن الذي يتحمل تكلفة الأزمات الخارجية هو نفسه المواطن الذي تتحدث المعارضة باسمه في الداخل.
والأمن القومي، في هذا المعنى، لا يقتصر على الحدود والقوة العسكرية؛ فالمياه والطاقة وقناة السويس والاقتصاد كلها عناصر من أمن الدولة وقدرتها على الصمود، كما أن قدرة المجتمع على تحمل تكلفة الأزمات جزء من قوة الدولة نفسها.
وفي منطقة يُعاد تشكيلها بهذه السرعة، ربما لا يكون السؤال الأهم هو: ماذا يحدث حول مصر؟
بل: كيف تستطيع مصر، دولةً ومجتمعًا ومعارضةً، أن تحول ما تملكه من عناصر قوة إلى قدرة أكبر على حماية مصالحها، وتقليل تكلفة الأزمات على المواطن؟






















