لم تعد الخلافات التي تظهر بين الحين والآخر داخل بعض الأحزاب المصرية مجرد شأن داخلي عابر، بل باتت مؤشرًا على إشكاليات أعمق تتعلق بغياب قواعد واضحة تنظّم الحياة الحزبية وتضمن استدامتها.
فالأحداث الأخيرة داخل بعض أحزاب المعارضة عقب انتخابات مجلس الشيوخ، وما رافقها من تبادل اتهامات بين قيادات بارزة فيها، فتحت الباب مجددًا أمام تساؤلات تتعلق بمدى قدرة هذه الكيانات على إدارة خلافاتها بصورة ديمقراطية بعيدًا عن مهاترات السوشيال ميديا وأحاديث “العائلة السياسية”، ومدى استعدادها لخوض انتخابات مجلس النواب في ظل تشتت جهد قياداتها في أمور تنظيمية داخلية.
من هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى التفكير في إطار أشمل يتجاوز حل الأزمات الوقتية أو تسوية النزاعات الشخصية، إلى تبني رؤية طويلة المدى تعيد الاعتبار لمفهوم حوكمة العمل الحزبي في مصر.
خلال أربعة أيام من النقاش مع متدربين ينتمون إلى أكثر من اثني عشر حزبًا، في ورشتى عمل نظمتهما جمعية السادات للتنمية والرعاية الاجتماعية في مدينة الغردقة خلال النصف الأول من شهر أغسطس، طرحت فكرة “ميثاق لحوكمة العمل الحزبي” كأداة طوعية تتفق عليها الأحزاب فيما بينها، وتلعب الدولة دور الضامن والميسر لتطبيقها، بحيث يصبح هذا الميثاق إطارًا جامعًا ينظم الممارسات الداخلية ويعزز من مكانة الأحزاب في المجتمع.
ولاقت هذه الفكرة رواجًا وتفاعلًا شديدًا من المشاركين الذين تباروا في تقديم اقتراحاتهم لتحسين وضع الحياة الحزبية في مصر مبرزين بعض التحديات الهيكلية التي تواجههم في عملهم السياسي والحزبي.
الحوكمة ليست شعارًا تنظيميًا أو مصطلحًا إداريًا فقط، بل هي في جوهرها منظومة قيم وممارسات تقوم على الشفافية والمساءلة والمشاركة والعدالة والاستقلالية. والحقيقة أن هذه المبادئ ليست ترفًا تنظيميًا يمكن تجاوزه، بل هي أساس أى علاقة صحية بين الحزب من جهة وأعضائه وجمهوره من جهة أخرى. فالحزب الذي يفتقر إلى الشفافية في تمويله أو آليات قراره، أو الذي تهيمن عليه قيادة ضيقة دون رقابة أو تداول داخلي، سرعان ما يفقد جاذبيته ويصبح كيانًا شكليًا معزولًا عن المجتمع. على العكس، فإن الالتزام بهذه القواعد يعزز ثقة المواطنين، ويوسع قاعدة العضوية، ويمنح الأحزاب حضورًا أكثر قوة وتأثيرًا.
الميثاق المقترح يمكن أن يشكل نقلة نوعية في الحياة السياسية المصرية إذا استند إلى خمسة مبادئ أساسية. أولها الشفافية، من خلال إتاحة البرامج واللوائح الداخلية والقرارات التنظيمية أولًا بأول لأعضاء الحزب، وإعلان مصادر التمويل وآليات الإنفاق لهم بما يغلق الباب أمام الشبهات ويعزز الثقة العامة.
ثانيها المساءلة، عبر وضع آليات واضحة لمحاسبة القيادات والأعضاء على الأداء والسلوك السياسي، وهو ما يحمي الأحزاب من الانقسامات أو الانحرافات.
ثالثها المشاركة، التي تضمن إشراك القواعد في اتخاذ القرار وتشجع على التداول السلمي للسلطة داخل الحزب، فتمنع الجمود القيادي وتعزز الحيوية التنظيمية.
أما المبدأ الرابع فهو العدالة والإنصاف، بتكافؤ الفرص ورفض التمييز على أساس النوع أو الدين أو الانتماء الاجتماعي والجغرافي، ليعكس الحزب صورة حقيقية عن المجتمع.
وأخيرًا الاستقلالية، التي تحافظ على قرار الحزب بعيدًا عن الضغوط الخارجية، وتجعل منه معبرًا عن الإرادة الوطنية أولًا وأخيرًا.
الميثاق في جوهره ليس وثيقة إلزامية تفرضها الدولة على الأحزاب، وإنما التزام طوعي تعلن عنه هذه الكيانات بإرادتها، لتؤكد استعدادها للانتقال من مرحلة الشكلية إلى مرحلة الاحتراف. لكنه في الوقت ذاته يحتاج إلى مظلة مؤسسية تضمن استمرارية تطبيقه، سواء من خلال تشكيل لجنة تنسيق ومتابعة مشتركة بين الأحزاب أو بإشراك وزارة الشئون النيابية والقانونية والتواصل السياسي في الحوار بشأنه. بهذه الطريقة، يتحول الميثاق من مجرد إعلان نوايا إلى ممارسة متجذرة تؤسس لثقافة حزبية جديدة.
والحقيقة أن التجارب الدولية والإقليمية أثبتت أن الديمقراطية لا يمكن أن تزدهر دون أحزاب قوية وفاعلة، وأن ضعف هذه الأحزاب هو ما يفتح المجال أمام تراجع ثقة المواطنين وانكماش المشاركة السياسية. ومن هنا فإن إطلاق حوار وطني حزبي حول ميثاق الحوكمة يمثل خطوة محورية لإعادة الحياة الحزبية إلى مسارها الصحيح، وتحصينها من الأزمات المتكررة، وتمكينها من أداء دورها الحقيقي في تمثيل مصالح المواطنين والمساهمة في صنع السياسات العامة.

















