تنتهي أزمة أي مسؤول حين يكتب في خانة المتابعة كلمة تم. الكلمة مريحة تغلق بها الدفاتر وترفع بها التقارير إلى الرتب الأعلى وتطوى بها صفحة مجهود شاق استمر لأشهر أو سنوات. على الورق سارت الأمور كما خُطط لها تماما الميزانية صُرفت، والمنشأة شُيدت، والمنظومة الرقمية انطلقت بعد مؤتمر صحفي منظم. لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يظن فيها صاحب القرار أن مهمته انتهت عند هذا الحد متناسيا أن هناك كلمة أخري أثقل وزنا وأكثر قسوة ينتظرها الشارع كل صباح: وصل وبين الكلمتين تقع الحكاية كلها حكاية المسافة الشاسعة أحيانا بين ما يدار في المكاتب المكيفة وما يعيشه الناس على الأرض. دعنا نبتعد عن التنظير وننظر إلى الواقع كما يراه المواطن لا كما تصوره البيانات. لا أحد ينكر حجم ما شيد في مصر خلال العقد الأخير شبكات طرق عملاقة ربطت مدنا كانت شبه معزولة ومجمعات خدمية وُضعت في القرى ومشاريع كبرى حركت مياهاً راكدة لعقود. هذه حقيقة قائمة على الأرض لا يجادل فيها منصف. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا يظل هناك انطباع سائد لدى شريحة واسعة بأن ثمار هذه النهضة تتأخر في الدخول إلى بيوتهم؟ الإجابة تكمن في غياب حلقة الوصل أو ما يمكن تسميته بعقدة المرحلة الأخيرة. الدولة تنفق مليارات لإنشاء طريق سريع يختصر السفر بين محافظتين وهو إنجاز حقيقي لكن أهالي القرى الواقعة على مسار الطريق يكتشفون بعد الافتتاح أنه لا توجد مدقات ربط آمنة تصلهم به أو أن أقرب دوران للخلف يبعد عشرة كيلومترات فيتحول المشروع القومي العملاق إلى سور يفصل بين الناس وأراضيهم أو يدفعهم للمخاطرة بعبوره عشوائيا. هنا قال المهندس تم لكن الفلاح لم يقل وصل المشهد ذاته يتكرر في ملفات خدمية تمس كرامة المواطن اليومية. يُعلن بكل فخر عن ميكنة خدمة حكومية والهدف نبيل وعصري: القضاء على طوابير الانتظار والرشاوى الصغيرة. تقف المنصة الرقمية بكامل جاهزيتها على السيرفرات ويخرج التقرير ليقول إن النظام تم تفعيله لكنك حين تهبط إلى الوحدة المحلية أو مكتب البريد في مركز بعيد تجد المشهد لم يتغير كثيرا مواطن يقف مذهولا أمام شاشة هاتفه لا يفهم كود الدفع وموظف يجلس خلف الشباك يرفع يديه قائلا: السيستم واقع لتتحول الميكنة من أداة راحة إلى طبقة تعقيد إضافية فوق الروتين القديم. المشكلة هنا لم تكن في الفكرة بل في أن أحدا لم يكلف نفسه عناء النزول لمعرفة كيف يتعامل رجل مسن أو سيدة بسيطة مع هذه التقنية ولا كيف يتم تأهيل الموظف الذي يديرها ميدانيا الدول لا تبني مكانتها فقط بحجم الأسمنت المسكوب ولا بطول المسارات المفتوحة بل بقدرتها على تقليص زمن معاناة الإنسان البسيط. المواطن العادي لا يقرأ المؤشرات الاقتصادية المركبة، ولا ينتظر أرقام النمو ليحدد موقفه من أداء الحكومة. هو يقيس نجاح أي سياسة بمعيار مباشر وخالٍ من التعقيد: كم دقيقة وفرتها في مشواري اليومي؟ هل دخلت المستشفى فوجدت الطبيب والدواء ولم أضطر لتحويل ابني إلى عيادة خاصة؟ هل استطعت استخراج بطاقتي أو ترخيصي دون أن أهدر يوم عمل كامل وأخوض معركة أعصاب مع موظف شباك؟ حين تهمل هذه الأسئلة الصغيرة يتراكم شعور بالغربة غربة بين مواطن يرى بلدا يتغير بسرعة في شاشات التلفاز وبين واقعه اليومي الذي لا يزال محاصرا بنفس المنغصات التافهة التي كان يمكن حلها بقرار إداري محلي وبميزانية لا تُذكر مقارنة بمشروعات البنية التحتية الضخمة. أحيانا يكون رصف طريق فرعي يربط قرية بمدرستها أو مستشفاها المركزي أهم عند الناس من أضخم كوبري عابر للمحافظات لأن الطريق الفرعي هو حياتهم اليومية بينما الكوبري البعيد فكرة يسمعون عنها في الأخبار. إن جوهر الإدارة الحديثة إذا أردنا حقا الانتقال إلى مفهوم الدولة الفاعلة يفرض علينا تغيير مفهوم مؤشرات الإنجاز يجب ألا يُحاسب المسؤول على موعد التسليم وحده بل على مؤشر الرضا واستدامة الأثر. لا بد من استحداث لجان لا تتبع الوزارات المنفذة، مهمتها النزول بعد ثلاثة أشهر من افتتاح أي مشروع لطرح السؤال الحقيقي: هل يستخدمه الناس؟ ما هي العقبات غير المتوقعة التي ظهرت بعد بدء التشغيل؟ لماذا يشتكي المواطنون رغم أن المشروع يعمل بكفاءة فنية؟ المعركة الحقيقية اليوم ليست في إطلاق المشاريع بل في إدارة تفاصيلها بعد الإطلاق. وفي مجتمع مركب مثل مصر لا يمكن إدارة الريف بعقلية العاصمة ولا يمكن فرض حلول معلبة تأتي من قمة الهرم الإداري دون أن يكون للمجالس المحلية أو لصوت الناس في الهوامش وزن في تعديل تلك الحلول لتناسب بيئتهم لقد قطعنا شوطا طويلا في كسر جمود البنية التحتية وتجاوزنا عقدة التأجيل والتردد التي لازمت العمل العام لعقود وهذا رصيد يحسب للدولة دون شك. لكن الرهان الأكبر في المرحلة القادمة ليس إضافة أرقام جديدة إلى سجل الإنجازات بل سد الثغرات في المشروعات القائمة بالفعل النزول من سماء المخططات إلى رصيف الشارع والاستماع الصادق للملاحظات الصغيرة التي قد يراها البيروقراطي تفاصيل تافهه لكنها في عرف المواطن تصنع الفرق كله بين بلد يتقدم وبلد تتغير واجهته ويبقى جوهره معلقا في المنتصف في المرة القادمة التي يرفع فيها تقرير إلى مكتب صانع القرار يحمل عبارة تم بنجاح نتمنى أن يكتب تحته بخط أحمر عريض تساؤل واحد لا يقبل التجاوز: هل وصل إلى أصحابه كما ينبغي أم أننا اكتفينا فقط بإنهاء المهمة؟

















